حين دخل الاحتجاج قصر الصخير: البحارنة والعريضة والدفاع عن الأحكام الشرعية
عباس المرشد - 2026-10-31 - 3:01 م
مرآة البحرين: من محاولة اعتقال أحمد بن خميس وتهديد القضاة إلى مواجهة الحاكم: كيف تصدى البحارنة للتدخل الحكومي في تركة الأموات والمواريث وأموال الأيتام والقاصرين سنة 1932؟
قبل قرابة قرن، كانت الإدارة البريطانية تمضي في مشروع لإعادة تشكيل النظام القضائي والاجتماعي في البحرين، تحت دعاوى التحديث والإصلاح، بينما كانت إجراءاته تمس الثقافة الدينية والأحكام الشرعية التي نظمت حياة المجتمع قرونًا طويلة. بدأت التدخلات في شؤون الأوقاف، وسرعان ما امتدت، تحت ذرائع متعددة، إلى القضاء الشرعي واستقلاليته، قبل أن تتجه نحو الأحوال الشخصية، وتحديدًا أحكام التوريث والولاية على أموال الأيتام والقاصرين.
وجدت الإدارة البريطانية في الحاكم الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة شريكًا مستعدًا لتنفيذ تلك السياسات، فأصدر إعلانًا حكوميًا بالغ الحساسية، مسّ أحد أهم مجالات التشريع الإسلامي، وهو تنظيم المواريث والولاية على أموال القاصرين. ولم يكن الإعلان مجرد إجراء إداري لحماية الأموال، كما قدمته الحكومة، بل فتح الباب أمام تدخل السلطة التنفيذية في اختصاصات القضاء الشرعي، وإخضاع مسائل دينية واجتماعية راسخة لإشراف الإدارة الحكومية.
كان الإعلان استفزازيًا لقطاعات واسعة من المجتمع، شيعة وسنة، وإن اختلفت دوافع الاعتراض ومواقفه. فقد شهدت المحرق، باعتبارها أحد المراكز الرئيسية للجمهور السني، والمنامة وقراها البحرانية، تحركات رافضة للإعلان، شارك فيها علماء الدين وقضاة وشخصيات اجتماعية وأهالٍ رأوا في الإجراءات الحكومية تعديًا على الأحكام الشرعية واختصاصات مؤسساتهم الدينية.
وما إن بدأ تطبيق الإعلان حتى اتسعت دائرة الاعتراض، وتوالت الاجتماعات والعرائض والتجمعات، ووصل الاحتجاج إلى إغلاق الأسواق ومواجهة السلطات. غير أن هذه التحركات لم تدفع الحكومة إلى التراجع الفوري. فقد مضت في إجراءاتها، وواجهت بعض المعترضين بالتهديد وأوامر الاعتقال، الأمر الذي نقل الأزمة من الاعتراض على إعلان يتعلق بتركة الأموات والمواريث إلى مواجهة سياسية مباشرة مع الحاكم.
وكانت ذروة تلك المواجهة حين قرر وفد من البحارنة نقل احتجاجه إلى قصر الصخير، حيث دخل المحتجون مجلس الشيخ حمد بن عيسى، بحضور المستشار البريطاني بلجريف، وواجهوا الحاكم برفض التدخل في أحكامهم الشرعية، في واقعة حفظ تقرير برايور تفاصيلها، وكشفت أن الدفاع عن الشريعة تحول إلى قوة احتجاجية استطاعت الوصول إلى قلب السلطة نفسها.
من محاولة اعتقال أحمد بن خميس إلى دخول قصر الصخير
في مطلع فبراير 1932، كانت السلطات البريطانية في البحرين قد بدأت مواجهة الاعتراضات على إعلان تركة الأموات والمواريث بأوامر الاعتقال والتهديد بالسجن. ففي يومياته، سجل المستشار البريطاني تشارلز بلجريف أنه أصدر أمرًا باعتقال الحاج أحمد بن خميس، أحد أبرز الوجوه البحرانية في السنابس، متهمًا إياه بإثارة الاضطرابات بين الأهالي، غير أن الشرطة التي كُلّفت بتنفيذ الأمر لم تتمكن من العثور عليه.[1]
وامتدت إجراءات بلجريف إلى أحد رجال الدين من جدحفص، الذي استدعاه المستشار البريطاني متهمًا إياه بتحريض الأهالي، وهدده بالسجن الفوري بسبب دين مستحق عليه للشيخ إذا لم يسدده. ويكشف أسلوب بلجريف في تدوين الواقعتين مقدار استعداده لاستخدام سلطاته الإدارية والشرطية، بل والالتزامات المالية الشخصية، للضغط على المعترضين وإسكات أصواتهم.
كانت تلك الإجراءات تجري بينما يتسع الاعتراض على الإعلان الحكومي الذي أخضع تسجيل الوصايا وشؤون المواريث وأموال الأيتام والقاصرين لإجراءات جديدة تحت إشراف الحكومة. ولم يكن الخلاف على حماية أموال القاصرين، وإنما على انتزاع الاختصاصات الشرعية من مجالها القضائي وإخضاعها لسلطة الإدارة. وقد أدركت الحكومة أن الاعتراض تجاوز الأفراد إلى العلماء والقضاة والأهالي، لكنها استمرت في التعامل معه من خلال التهديد والإجراءات الأمنية.
وعلى الرغم من محاولة اعتقال الحاج أحمد بن خميس والتهديدات التي طالت بعض رجال الدين، اتسعت الاحتجاجات وانتقل الاعتراض من المجالس والقرى إلى مواجهة مباشرة مع الحاكم، حين توجه وفد من البحارنة إلى قصر الصخير، حاملًا اعتراضه على التدخل الحكومي في أحكام المواريث والشؤون الشرعية.
وهناك، داخل مجلس الشيخ حمد بن عيسى، وبحضور المستشار البريطاني بلجريف، أخذت الأزمة منحى لم تكن الإدارة تتوقعه. فقد دخل المحتجون المجلس وارتفعت أصواتهم في مواجهة الحاكم، مطالبين بوقف التدخل في أحكامهم الشرعية. ولم يغادروا إلا بعدما حصلوا على وعد بإعادة النظر في الإجراءات التي أثارت غضبهم.
وقد مثلت تلك المواجهة تحولًا في مسار الأزمة، إذ انتقل الاحتجاج من القرى والمجالس الأهلية التي حاولت الإدارة ملاحقة المعترضين فيها إلى مجلس الحاكم نفسه، وأصبحت السلطة التي أصدرت الإعلان مطالبة بالرد على مطالب البحارنة وجهًا لوجه.
حين دخل البحارنة مجلس الحاكم في الصخير
كانت الاعتراضات على إعلان تركة الأموات والمواريث قد بلغت مستوى من التصعيد لم يكن الحاكم الشيخ حمد بن عيسى يتوقع معه أن تصل إلى مجلسه في قصر الصخير. فقد اعتادت الحكومة معالجة المطالب الأهلية من خلال الوسطاء والعرائض، لكن المحتجين قرروا هذه المرة مواجهة الحاكم مباشرة، بعدما اتسعت الإجراءات الحكومية إلى اختصاصات القضاء الشرعي، وبدأت الإدارة بملاحقة بعض الشخصيات المرتبطة بالاعتراضات.
ويصف الوكيل السياسي البريطاني تشارلز جيفري برايور في تقريره عن أحداث فبراير 1932 وصول وفد كبير من المنامة إلى الصخير. وكان بعض المشاركين يحملون مسدسات، واستولى آخرون على السيارات التي نقلتهم إلى القصر. وتكشف هذه التفاصيل أن الوفد لم يكن مجرد جماعة جاءت لتقديم التماس مكتوب، بل حركة احتجاجية وصلت إلى مقر الحاكم في أجواء مشحونة بالتوتر والغضب.[2]
وفي داخل القصر، حيث كان المستشار البريطاني بلجريف حاضرًا، واجه المحتجون الشيخ حمد بن عيسى باعتراضهم على تدخل الحكومة في الشؤون الشرعية. ارتفعت الأصوات داخل المجلس، ورفض الوفد الإجراءات المفروضة على المواريث والوصايا وأموال القاصرين، مطالبًا بإعادة النظر فيها.
كان المشهد غير مألوف في العلاقة بين الحاكم والمحكومين. فقد دخل المحتجون إلى مجلس اعتاد أن تصدر منه الأوامر، وفرضوا على الحاكم الاستماع إلى مطالبهم. ولا تسجل التفاصيل المتاحة وصفًا مباشرًا لمشاعر الشيخ حمد أو جلسائه، لكن طبيعة المواجهة، وحمل بعض المشاركين السلاح، والإصرار على الحصول على تعهد قبل المغادرة، تكشف حجم الضغط الذي واجهته السلطة داخل القصر.
وانتهت المواجهة داخل المجلس بحصول المحتجين على وعد من الحاكم بإعادة النظر في الإجراءات، بعدما فرضوا مطالبهم عليه بصورة مباشرة. فقد وجدت الحكومة التي حاولت مواجهة الاعتراضات بأوامر الاعتقال والتهديد بالسجن نفسها أمام احتجاج وصل إلى مجلس الحاكم، وانتزع منه تعهدًا لم تستطع العرائض السابقة الحصول عليه بهذه الصورة.
عبد علي العليوات: من قيادة الاعتراض إلى العقوبة الإدارية
أثار وصول الاحتجاج إلى مجلس الحاكم في الصخير وما رافقه من مواجهة مباشرة مع السلطة ردود فعل حكومية طالت شخصيات برزت خلال الحراك، وفي مقدمتها عبد علي العليوات، الذي ارتبط اسمه بالاعتراض على التدخل الحكومي في شؤون تركة الأموات والمواريث.
كان العليوات من الوجوه البحرانية التي ارتبط اسمها بالحراك ضد التدخل الحكومي في شؤون تركة الأموات والمواريث. وتكتسب مشاركته أهمية تتجاوز الواقعة نفسها، إذ تكشف حضور شخصيات أهلية في الدفاع عن اختصاصات القضاء الشرعي، وفي تحويل الاعتراض الديني إلى مطالبة سياسية تواجه الحاكم مباشرة.
وفي 15 فبراير 1932، سجل بلجريف في يومياته الاتفاق على فصل العليوات من المجلس البلدي. وإذا وضعنا هذا الإجراء إلى جانب محاولة اعتقال الحاج أحمد بن خميس في مطلع الشهر، أمكن ملاحظة اتجاه الحكومة إلى استخدام أدوات مختلفة في التعامل مع المعترضين؛ فمن أوامر الاعتقال إلى الإبعاد عن المواقع البلدية، كانت الإجراءات تتجاوز مناقشة الإعلان إلى التعامل مع الشخصيات التي ارتبطت بمقاومته.[3]
ومع أن فصل العليوات جاء ضمن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في أعقاب الاحتجاجات، فإن المواجهة التي شاركت فيها الشخصيات البحرانية كشفت أن الدفاع عن الأحكام الشرعية لم يكن محصورًا في مجالس العلماء والقضاة، وأن الاعتراض الأهلي استطاع الانتقال من المؤسسات الدينية والاجتماعية إلى مجلس الحاكم نفسه.
وقد أظهرت أحداث فبراير 1932 أن تدخل الحكومة في شؤون المواريث وأموال الأيتام والقاصرين أثار اعتراضًا تجاوز الخلاف الفقهي إلى مواجهة مباشرة بشأن حدود السلطة واختصاصاتها، وأصبح الدفاع عن الأحكام الشرعية جزءًا من حركة سياسية واجتماعية أوسع.
ولم تقف نتائج الحركة البحرانية عند التعهد الذي انتزعه المحتجون من الحاكم داخل قصر الصخير. فقد أجبرت الاحتجاجات الواسعة، وما رافقها من مواجهة مباشرة مع السلطة، الحاكم على سحب الإعلان المتعلق بتركة الأموات والمواريث وأموال الأيتام والقاصرين، واستبداله بإعلان آخر. وكان ذلك تراجعًا سياسيًا مهمًا أمام حركة احتجاجية استطاعت نقل الدفاع عن الأحكام الشرعية من المجالس الدينية والعرائض الأهلية إلى مجلس الحاكم نفسه، وفرض مراجعة الإجراءات التي حاولت الإدارة البريطانية تمريرها تحت عنوان الإصلاح.
هل نسي الحكم ما جرى في الصخير؟
بعد نحو قرن من واقعة الصخير، يعود الخلاف حول حدود التدخل الحكومي في الشؤون الدينية إلى الواجهة، ولكن بأدوات أمنية وإدارية أكثر اتساعًا. ففي يونيو 2026، أعلن وزير الداخلية راشد بن عبد الله آل خليفة تعليمات وقيودًا تتعلق بالشعائر الحسينية، وحذر من ممارسة أنشطة اعتبرتها الحكومة سياسية خلال المناسبات الدينية. وتبع ذلك، بحسب تقارير حقوقية، استدعاء علماء دين وخطباء ومسؤولي مآتم، ومنع بعضهم من المشاركة في الشعائر، وفرض قيود على المظاهر الدينية. وتقول الحكومة إن إجراءاتها تستهدف حماية الأمن والنظام العام ومنع استغلال المناسبات الدينية سياسيًا.
ولم تتوقف المسألة عند موسم عاشوراء. ففي سبتمبر 2026، أثار توسيع نظام الترخيص للوعظ والإرشاد ليشمل الخطابة والإنشاد الديني اعتراضات حقوقية جديدة، بعدما أصبحت مجالات إضافية من الخطاب الديني خاضعة للرقابة والترخيص الحكومي.
وبين إعلان 1932 وإجراءات 2026، يبرز سؤال عن حدود سلطة الدولة في تنظيم الشؤون الدينية. ففي الحالتين قدمت الحكومة تدخلها بوصفه إجراءً تنظيميًا، بينما رأى المعترضون أنه يتجاوز التنظيم إلى المساس باختصاصات دينية راسخة.
لقد حاولت حكومة الشيخ حمد بن عيسى سنة 1932 فرض إجراءاتها على تركة الأموات والمواريث، لكنها واجهت احتجاجًا وصل إلى مجلس الحاكم في الصخير. واليوم، تتكرر الاعتراضات على تدخل السلطة في الشعائر والخطابة والمؤسسات الدينية، في ظل اختلاف كبير في الظروف السياسية وأدوات الدولة.
ويبقى السؤال الذي تثيره هذه المقارنة: هل استوعبت السلطة الدرس التاريخي الذي كشفته واقعة الصخير، أم أنها لا تزال تتعامل مع الشؤون الدينية باعتبارها مجالًا يمكن إخضاعه للقرار الأمني وحده؟
فما أظهرته أحداث 1932 أن الدفاع عن الأحكام الشرعية لم يكن شأنًا محصورًا بالقضاة والعلماء، بل استطاع أن يتحول إلى احتجاج أهلي واسع يصل إلى مجلس الحاكم نفسه. وتلك حقيقة تاريخية تستحق أن تكون حاضرة في أي نقاش معاصر حول العلاقة بين الدولة والجماعة البحرانية ومؤسساتها الدينية.
ولعل ما غاب عن حسابات السلطة آنذاك أن الغيرة الإيمانية التي حرّكت البحارنة دفاعًا عن إسلامهم وشريعتهم لم تكن مجرد انفعال عابر، وإنما قوة اجتماعية راسخة استطاعت تجاوز الخوف من الحاكم والوصول إلى مجلسه في قصر الصخير. وبعد قرابة قرن، يعود السؤال أمام التدخلات الحكومية المتزايدة في الشؤون الدينية والشعائرية: هل نسي الحكم أن الغيرة الإيمانية كانت يومًا أقوى من الخوف من سلطته، أم أنه يعيد اختبار حدود هذه الغيرة لدى البحارنة؟
## الهوامش والمصادر
1\. تشارلز بلجريف، اليوميات، مدونة مطلع فبراير 1932، ص 691 محفوظات جامعة إكستر،من النسخة الإلكترونية، وفيها أمر اعتقال أحمد بن خميس ومحاولة الشرطة الفاشلة للقبض عليه، وتهديد رجل الدين من جدحفص. [يوميات بلجريف، الصفحة 691]
2\. تشارلز جيفري برايور، تقرير إلى المقيم السياسي البريطاني هيو بيسكو، فبراير 1932، المكتبة البريطانية، IOR/R/15/2/847، الأوراق 4-18. [ملف الاحتجاجات بشأن إدارة المواريث - مكتبة قطر الرقمية
3\. تشارلز بلجريف، اليوميات، 15 فبراير 1932، محفوظات جامعة إكستر، EUL MS 148/1/15.
4\. تشارلز جيفري برايور، مراسلات بشأن الاحتجاجات على إدارة المواريث والإصلاحات المقترحة، فبراير-مايو 1932، المكتبة البريطانية، IOR/R/15/2/847، ولا سيما الأوراق 4-18.