البحرين تبيع ولاءها الخليجي: من العباءة السعودية إلى الحضن الإماراتي

2026-10-21 - 5:30 م

مرآة البحرين: لا تمرّ العلاقة البحرينية السعودية بأفضل أيّامها. المسألة واضحة وضوح الشمس، وبانَت بشكل فاقع وكبير في خطاب الملك حمد بن عيسى الأخير الذي ألقاها في افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب البحرينيين.

الملك قال "لا يفوتنا، على هذا الصعيد، أن نعرب عن امتناننا الكبير لدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، بقيادة أخينا العزيز صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، على مواقفها الأخوية العظيمة وتضامنها المستمر مع مملكة البحرين، في أوقات الشدة والرخاء، وهي مواقف جليلة تشهد على عمق علاقاتنا التاريخية، وتجسّد مبادئ ميثاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الداعية إلى التعاون والتكامل ووحدة الهدف والمصير، ويمتد شعورنا بالتقدير إلى دول مجلس التعاون الشقيقة. ونثمّن كذلك الدور التاريخي الكبير للولايات المتحدة الأمريكية، والتزامها الثابت بدعم مملكة البحرين سياسيًا ودفاعيًا، وهو دعم يتواصل اليوم بقيادة فخامة الرئيس دونالد ترامب، امتداداً لشراكة إستراتيجية بين البلدين، مقدّرين دورها معنا في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها".

الموقف هذا أثار بلبلةً كبيرة وفُسّر سريعًا على أنه تجاهل تامّ لكلّ الدعم السعودي ولاسيّما المادي للبحرين لسنوات، مقابل اصطفاف علني أمام الإمارات. أسئلةٌ كثيرة طُرحت من قبل مُراقبين ومُغرّدين محورها: لماذا تقصّد الملك تغييب السعودية من فقرة الشكر الواردة في خطابه؟

ولأنّ الأمر لا يبدو تحليلًا بقدر ما هو واقع ملموس، اضطرّت وزارة الخارجية البحرينية ثمّ سفير البحرين في السعودية علي بن عبدالرحمن بن علي آل خليفة إلى التغريد ونشر موقف فُسّر على أنه تعويض عمّا اقترفه الملك من "إساءة للسعودية"، كما وصّفها الكثير من المواكبين للقضية.

الخارجية البحرينية أدانت بشدة ما سمّته "اعتداءات ميليشيا الحوثي الإرهابية" على المنشآت المدنية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية، ثمّ كتب السفير البحريني عبر حسابه على منصة "إكس": "تقف مملكة البحرين إلى جانب شقيقتها المملكة العربية السعودية، بموقف راسخ لا يتبدل وتضامن لا تحده الظروف في مواجهة "الاعتداءات الحوثية الإرهابية" الآثمة. فالسعودية عزوة وسند وأمنها من أمن البحرين، حفظ الله المملكة وقيادتها وشعبها وأدام عليها عزها ومنعتها وأمنها واستقرارها".

على "إكس" أيضًا برزت سجالات كثيرة عكست حجم التصادم في المواقف البحرينية والسعودية. المغردون السعوديون اعتبروا أن المسؤولين البحرينيين كانوا جاحدين وناكري للمعروف بعد كلّ التقديمات المالية والعسكرية التي منحتها إيّاها من الأموال المباشرة، إلى حقل أبو سعفة وإقفاله خلال الحرب على إيران.

الحقل نفسه ذكّر المغردون السعوديون بأن بلادهم تنازلت عن منحته النفطية لصالح البحرين منذ عام 1996 بواقع 150 ألف برميل يوميًا، وهذا الدعم يغطي تكاليف الإنتاج ويشكّل ركيزة كبرى وأساسية للموازنة العامة في المنامة.

مراقبون رأوا أن الإمارات استطاعت أن تستقطب بأموالها خلال الفترة الماضية البحرين بشكل كامل، وإخراجها من العباءة السعودية. هذا ما عبّرت عنه الحسابات السعودية على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأننا أمام حملة منظّمة لتعرية اصطفاف الملك حمد إلى جانب الإمارات.

بالموازاة، من يواكب مواقف الملك وما تعبّر عنه السلطة الحاكمة في البحرين يعرف ويُدرك أن المصالح المادية والمالية هي المعيار في التقارب مع السعودية أو الإمارات. من يدفع أكثر ويدعم السلطة أكثر يشتري ولاءها الخليجي، وفي حالة البحرين تمكّنت الإمارات من استمالتها لصالحها، في ظلّ المواجهة المتصاعدة بين مع السعودية ولاسيّما في اليمن.

ولأنّ البحرين تعبّر عن نظام سياسي مُترنّح وهشّ، اعتادت حكامها الاستناد إلى المظلّة السعودية في تثبيت نظامها السياسي، غير أنها تجد اليوم في الإمارات شريكًا قادرًا على منحها هامشًا أوسع سياسيًا وماليًا وأمنيًا. الدعم الإماراتي لا يُقرأ بالضرورة بوصفه مجرّد مساعدة اقتصادية أو تضامن خليجي، بل باعتباره مدخلًا لتعزيز النفوذ الإماراتي داخل المنامة، ووسيلة لتوسيع شبكة الحلفاء في منطقة تعصف بها خلافات المصالح والحسابات المتضاربة.

تستفيد البحرين من الدعم الإماراتي في الحصول على دعم اقتصادي واستثماري يخفّف من أعبائها المالية، في ظلّ أزمة الدين العام والعجز المالي التي تضيق معها خيارات الحكومة البحرينية. وهنا تبرز أهمية العلاقة الإماراتية بالنسبة إلى سلطة تحتاج إلى تدفقات مالية واستثمارات ومشاريع تساعدها على احتواء أزماتها الداخلية.

كذلك تستفيد البحرين من هذا الدعم على صعيد تعزيز التنسيق الأمني والسياسي مع أبو ظبي، ولا سيما في ظلّ التقارب الإماراتي "الإسرائيلي"، وتمسّك السلطة البحرينية باتفاقيات التطبيع رغم الرفض الشعبي الواسع لها. فالإمارات، التي دفعت باتجاه توسيع مسارات التطبيع والتعاون الإقليمي، تمثّل شريكًا يلتقي مع المنامة في خيارات سياسية تتعارض مع المزاج الشعبي البحريني، خصوصًا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعلاقة مع الكيان الصهيوني.

إذًا، تقوم السياسة البحرينية على استمرار الارتهان، تارةً للسعودية، تارةً للإمارات، تارةً للولايات المتحدة. لا تملك السلطة قرار نفسها، وهي تُحوّل علاقاتها الخارجية إلى شبكة من المصالح التي تُدار لحماية سلطتها واستمرارها، بدلًا من أن تُوظّف لخدمة المجتمع البحريني ومصالحه الوطنية.

وعندما يصبح الدعم الخارجي عنصرًا حاسمًا في حسابات الحكم، يغدو السؤال أكثر إلحاحًا: هل تتخذ المنامة قراراتها انطلاقًا من مصلحة البحرين، أم من حسابات البقاء السياسي والبحث عن الجهة الأكثر قدرة على تقديم الدعم؟