قصة قصيرة: الختم الأخير

حسن ناصر - 2026-10-11 - 10:29 ص

مرآة البحرين: قصة متخيّلة تدور في أجواء البحرين عام 1981.

في مساء ديسمبر 1981، وقبل نشرة الأخبار بدقائق، وُضع ملف نحيل على مكتب رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة. حمله الموظف بكلتا يديه، ثم انسحب وأغلق الباب خلفه بهدوء. كان الملف يتألف من سبع صفحات، لكن مدير الأمن وقف إلى جوار الباب دون أن يجلس.

فتح رئيس الوزراء الصفحة الأولى. أسماء معتقلين، وأماكن مداهمة، وأجهزة اتصال قيل إنها عُثر عليها في مخبأ سري. وفي الصفحة الأخيرة، خطة منسوبة إلى جماعة تستعد للهجوم على مبنى الإذاعة ودار الحكومة. أعاد قراءة السطر الأخير، ثم رفع عينيه إلى الرجل الواقف أمامه.

- هل تأكدتم من الخطة؟

- لدينا اعترافات.

- هل انتهى التحقيق؟

- ليس بعد.

أغلق الشيخ خليفة الملف، وأبقى كفه فوق غلافه لحظة، ثم أزاحه قليلًا عن منتصف المكتب.

خارج النافذة، كانت المنامة تستعد لليلها. أضواء متفرقة تنعكس على الشوارع، وسيارات الأمن تمر من بعيد ثم تختفي. لم يكن في المكتب سوى صوت ساعة الحائط، حتى دخل السكرتير يحمل شريط تسجيل وضعه أمام رئيس الوزراء.

قال إن الشريط وصل من مبنى الإذاعة، وإن ما فيه يناقض البيان المعدّ للنشر. سأله الشيخ خليفة عن مصدره، فأجاب بأن أحدًا لم يعرف من أرسله.

أشار إليه أن يشغّله.

دارت البكرة، وخرج صوت متقطع، تتخلله خشخشة. تحدث رجل عن معتقلين أُخذوا قبل الموعد، ونفى وجود هجوم على الإذاعة أو خطة لاحتلال دار الحكومة. ثم انقطع الصوت فجأة.

قال مدير الأمن:
- مفبرك.

رفع رئيس الوزراء نظره إليه.
- متى؟

- ماذا؟

- متى فُبرك؟

لم يجب الرجل. أدار وجهه نحو الجهاز، ثم أعاده إلى رئيس الوزراء.

- إذا بُثّ هذا الشريط، فلن ينتظر أحد التحقيق. ستخرج الروايات، وتصبح كل إشاعة حقيقة في الشارع.

- وإذا كان صحيحًا؟

شدّ مدير الأمن أصابعه.

- لا دليل على صحته.

- ولا على بطلانه.

ساد الصمت. مدّ رئيس الوزراء يده إلى الجهاز وأعاد التسجيل، لكنه لم يتابع الكلمات هذه المرة. خلف الصوت، التقط أذنه طرقًا معدنيًا خافتًا، ثلاث طرقات متتابعة، أعقبها صمت قصير، ثم ثلاث أخرى. أوقف البكرة وسأل عن الموظف الذي كان في غرفة التسجيل.

- راشد. قيد التحقيق.

- ومدير الأخبار؟

تأخر الجواب.

- لم نعثر عليه.

نظر الشيخ خليفة إلى الرجل طويلًا، ثم أعاد الشريط إلى غلافه. لم يسأل أين اختفى مدير الأخبار، ولم يسأل لماذا لم يُعثر عليه. أعاد الملف إلى منتصف المكتب وفتحه على الصفحة الأخيرة.

كانت العبارة واضحة: «وقد اعترف جميع المتهمين بتفاصيل الخطة».

وضع إصبعه تحتها.

- من كتب هذا؟

- أُعدّ البيان بناءً على المعلومات المتوافرة.

- سألتك: من كتب هذا؟

ذكر مدير الأمن اسم الإدارة التي أعدّت الصياغة، ثم أضاف أن الوقت لا يسمح بإعادة النظر في كل عبارة. كانت نشرة الأخبار على وشك البدء، وأي تأخير سيُفسَّر على أنه تراجع.

سحب رئيس الوزراء الورقة من الملف ووضعها أمامه.

- تريد البيان الليلة؟

- نعم.

- بهذه الصيغة؟

- هذه هي المعلومات التي لدينا.

ظل الشيخ خليفة ساكنًا لحظات. كان الختم النحاسي إلى جوار المصباح، وعلى حافته لمعان خافت. تناول القلم، وشطب عبارة الاعترافات، ثم كتب مكانها: «التحقيق مستمر».

راقبه مدير الأمن دون أن يتحرك.

- سيقولون إن الأدلة غير كافية.

وضع رئيس الوزراء القلم.

- وهل هي كافية؟

لم يأتِ الجواب. مدّ الشيخ خليفة يده إلى الختم، رفعه عن المكتب، ثم أعاده إلى مكانه. لم يضغطه على الورقة.

قال مدير الأمن، بصوت أخفض:

- إذا انتظرنا، فقد نفقد السيطرة على الموقف.

أغلق رئيس الوزراء الملف.

- وإذا استعجلنا؟

لم يرد الرجل. أخذ النسخة المعدّلة، طواها مرة واحدة، ووضعها تحت ذراعه. وقبل أن يغادر، التفت إلى الشريط.

- هل أحتفظ به؟

نظر الشيخ خليفة إلى غلافه، ثم إلى الباب.

- اتركه.

خرج مدير الأمن، وبقي رئيس الوزراء وحده. أعاد فتح الملف، قرأ العبارة التي شطبها، ثم مرر إصبعه فوق الحبر حتى لطّخ طرفه قليلًا. كانت الساعة تقترب من موعد النشرة، ولم يعد يعرف إن كان قد أوقف خطأً، أم أجّل مواجهة حقيقة لم تتضح معالمها بعد.

في صباح اليوم التالي، صدر البيان بصيغة مختلفة. غابت بعض التفاصيل، وبقيت الاعتقالات موضع حديث الناس، فيما ازداد وجود السيارات العسكرية في الشوارع. لم يُذكر الشريط، ولم يظهر راشد، ولم يُعثر على مدير الأخبار. ومع مرور الأيام، تراجعت الأسئلة في العلن، وظلت بعض الإجابات حبيسة الملفات.

بعد سنوات طويلة، عُثر على شريط التسجيل في خزانة منسية داخل مبنى الإذاعة. كانت أطرافه متآكلة، وقد مُحي معظم الصوت. حاول الفنيون استعادة التسجيل، لكن الكلمات لم تعد واضحة، ولم يبقَ ما يكفي لتحديد من كان يتحدث أو عمّا كان يتحدث.

أما الملف، فظل في الأرشيف، محفوظًا بين أوراق أخرى تحمل أختامًا وتوقيعات. وفي صفحته الأخيرة، بقيت العبارة المشطوبة ظاهرة تحت الحبر، وإلى جوارها كلمتان بخط اليد: «التحقيق مستمر».

لم يُعرف أين انتهى الختم النحاسي، ولا ما إذا كان قد استُخدم على نسخة أخرى من البيان.