»

بيان سماحة آية الله قاسم الأخير: لماذا معارضة عنيفة وتصادم شديد مع قرارات وزارة العدل؟

آية الله الشيخ عيسى قاسم
آية الله الشيخ عيسى قاسم

إبراهيم علي - 2026-10-08 - 6:26 م

مرآة البحرين: يأتي بيان سماحة آية الله قاسم الأخير (5 أكتوبر 2026) -الذي يعبّر فيه عن رفض القرارات الصادرة عن وزارة العدل والشؤون الإسلامية في البحرين، والتي تستهدف إحكام السيطرة على الشؤون الدينية- في ظل واقع سياسي متردّي على كلّ المستويات، وانتقال السلطة من حالة الاستبداد السياسي، إلى حالة جديدة من الطغيان، وهي أعلى درجات الاستبداد وأشدّها بطشاً، فالاستبداد -بحسب ما يوضّح الدكتور مصطفى حجازي في كتابه "الإنسان المهدور"- هو تفرّد وتسلّط، أما الطغيان فيقوم على البغي والظلم بما يجاوز الحدّ، ويصل في الدلالة العربية للكلمة إلى مجاورة الكفر.

وفي تفريقه بين المفهومين، يشير حجازي إلى عدة اختلافات، فالاستبداد يترك الناس يقولون ما يشاؤون على أن يفعل هو ما يشاء في ممارسته للسلطة، يترك حيّزاً مدنياً كبيراً للتحرك، ولا يحاول أن يدمج الناس في آلته ما داموا يسلمون له بسلطانه، يتفرد بالحكم والسلطة مع بقاء المحكومين متميزين عن الحاكم، ومستقلين عنه في شؤونهم المدنية، أما الطغيان فهو على العكس، إنّه السلطة المحضة ليس على مستوى الحكم والسياسة وحدهما، بل على مستوى المجتمع ذاته. الطاغية باختصار يفترس المجتمع بما فيه من مؤسسات وهيئات وناس، يلتهم الجميع ولا يقبل أن يترك شيئاً خارجه، قوّته وسطوته تتغذى من عملية الالتهام المستمرة هذه حتى ليصبح هو البلد والبلد هو، هو المؤسسات والهيئات والناس جميعاً، لا يترك شأناً خاصاً للناس، فهو مختص بشؤونهم جميعاً يفعل بها ما يشاء، وعليهم أن يتقبلوا مشيئته قانوناً لوجودهم. همّ الطغيان الأول ليس ردع خصومه، بل تدميرهم وإفناءهم. المثل الأعلى للطغيان هو أن يحل في كلّ إنسان وكلّ مكان، إنّه انحلال الشعب في سلطة الطاغية. لا يطيق الطاغية أن يترك شيئاً خارج كيانه، لا مؤسسات، ولا أفراد، ولا أفكار، أو حتى نوايا (انتهى كلام حجازي).

عملياً، هذا ما تعيشه البحرين مع تغوّل السلطة على الحقوق المدنية والدينية للشعب، فالأمر لم يعد مسألة تفرّد بالقرارات السياسية، وإنما افتراس مؤسسات المجتمع، السياسية، الخيرية، الدينية، وإغلاق الفضاء العام أمام الكلمة، وهو بحسب التشخيصات التي أوردها حجازي في كتابه، تمثل حالة الطغيان تلك.

ويبتدئ بيان سماحته بتوصيف الحكم في البحرين بـ"السلطوية"، الذي يعني أن نمط الحكم إنما صار يعتمد على المركزية الشديدة وفرض السيطرة المطلقة، مقابل إلغاء الحريات.

وقبل أن يطلق سماحته هذا الوصف، شخّص نوع الجهة الصادرة عنها القرارات، عندما وصفها بـ"السياسة البشرية" ليُبيّن طبيعة مصدر مثل هذه القرارات، حيث الحكم في البحرين هو حكم ملكي سُلالي وراثي، ولا يستند في طريقة تشريعاته على الإسلام كمصدر وحيد للتشريع، خصوصاً مع معرفة أن مثل هذه القرارات تصدر في سياق أمني يستهدف الطائفة الشيعية، وليست متجردة عن الأهواء السياسية للنظام، ولا مفصولة عن الظروف الموضوعية التي تعيشها البحرين والمنطقة.

ولعلّ هذه هي الخلفية التي أراد سماحته إيضاحها عندما وصف الجهة التي تصدر تلك القرارات بـ"السياسة البشرية السلطوية"، وهي جهة الحكم، ومن خلال ذلك، لم يجد ردّاً من جهة المؤمنين بالإسلام، سوى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، والتي تعني في هذا السياق، أن السلطة ليس لها حق التشريع في قبال التشريع الإلهي.
ولذلك قدّم سماحة الشيخ كلمة التوحيد في معرض الرد على مثل هذه القرارات، لبيان ما أسماه بـ"المعارضة العنيفة"، و"التصادم الشديد الذي لا علاج له بينها وبين قضية التوحيد"، وهو هنا يتحدث عن تعاند جوهري، وتضاد تام، وتنافر مطلق، بين هذه القرارات، وبين قضية التوحيد، ويشير لاستحالة الجمع بينهما.

في هذا السياق، ينتقل سماحته بعد ذلك لتحديد طبيعة الموقف من هذه القرارات، فهو عقلي وشرعي، ويأتي من خلفية ذلك التعاند والتضاد بين الأمرين، إذ يفرض هذا التعاند ارتفاع "الحسابات والمصالح السياسية والدنيوية"، بمعنى أن هذا الموقف لا يخضع لهذه الحسابات، لأنه في الأصل يتعارض مع قضية التوحيد، وهي قضية لا يمكن أن تكون في متناول الحسابات السياسية، ولا يمكن التسامح فيها، أو التنازل عنها بشكل آني، أو تعدية المرحلة، كما لو كانت مثل الملفات السياسية الأخرى، كما أن طبيعتها -أي قضية التوحيد- ترجع إلى أصلٍ اعتقادي، في إشارة إلى فرع من فروع التوحيد في الربوبية، وهو التوحيد في التشريع، فالله هو الربّ والمدبّر والمدير للكون والإنسان، والمالك لكل ذلك، وله حق التقنين والتشريع.

بعد ذلك، يُنهي سماحة الشيخ بيانه بحجّة عملية لا مفرّ منها، فـ"المسلم الحقّ يعرف أي مستحيل يطلبه من أخيه المسلم إذا أراد منه أن يخالف ربّه العظيم لأمره ونهيه"، وذلك بحكم الاشتراك الديني، ولا شك أن معرفته المسبقة هذه، إنما تبطل طلبه، ولكن مع إصراره على طلبه المستحيل هذا، فهو يفرض حالة "المعارضة العنيفة" و"التصادم الشديد" فرضاً، إذ لا علاج بين هذه القرارات، وما تحمله من تضادّ وتنافر، وبين قضية التوحيد، ولا يمكن الجمع بينهما.

بصورة إجمالية، أطلق سماحة الشيخ موقفاً شديداً تجاه قرارات وزارة العدل، والتي يتصدّرها قرار تنظيم تراخيص الوعظ والإرشاد والخطابة والإنشاد الديني (رقم 74 لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام القرار رقم 56 لسنة 2011)، والذي يحتوي على بنود تمتهن كرامة الخطباء كأشخاص، فضلاً عمّا يفترضه من أصل إعطاء الترخيص بناءً على موافقة أمنية مسبقة، من خلال الحصول على شهادة حسن سيرة وسلوك من وزارة الداخلية، وبالتالي فنحن لسنا أمام قرار تنظيمي، وإنما قرار يُخضع الخطباء والمنشدين لسلطة الدولة، ويلزمهم بالتفسيرات الرسمية، حيث أن القرار لا يقتصر على إعطاء الترخيص فحسب، بل يشمل أيضاً الرقابة على الخطاب، وتحليل مضامينه، وتحديد مدى موافقته للمعايير الموضوعة، وأهليته للاستمرار أو التوقف، وهي أمور لا يمكن تسليمها لجهة غير مأمونة مثل النظام في البحرين، الذي يحمل دوافع مسبقة لتكبيل الكلمة المستقلة، ويستعدي بعض الاعتقادات المذهبية الخاصة، كما تثبت ذلك التجربة العملية والواقع المشهود، لذلك جاء بيان سماحة الشيخ على قدر ما لهذه القرارات من تجاوزات خطيرة. تجاوزات وصلت لحد المساس بالأساس الاعتقادي الأول، وهو قضية التوحيد لله الواحد الأحد.