المال وشراء المواقف: من السيد الحكيم إلى عباس مسعودي

عباس المرشد - 2026-10-02 - 9:46 م

مرآة البحرين: أثارت الوثيقة التي نشرناها عن محاولة تقديم المال إلى السيد محسن الحكيم ردود فعل واسعة، تجاوزت واقعة الرشوة نفسها إلى الأسئلة التي فتحتها حول ما يحتفظ به الأرشيف الإيراني عن تاريخ البحرين الحديث. فقد كشفت عن مادة لم تحظ بما تستحقه من قراءة في كتابة تاريخ البحرين: اتصالات الحكم، والوسطاء، والمال، والصراع على المواقف في اللحظات التي كان يتقرر فيها مستقبل البلاد. ومن هنا تبدو العودة إلى الأرشيف الإيراني ضرورة لإعادة فتح ملفات ظلت خارج السردية المتداولة.

وتقودنا وثيقة السيد الحكيم إلى وثائق أخرى يظهر فيها المال مرة ثانية، ولكن هذه المرة في قلب الخلاف الإيراني حول التخلي عن المطالبة بالبحرين، ومن خلال شخصية كانت تتحرك داخل هذا الملف نفسه: السناتور عباس مسعودي، مدير صحيفة «اطلاعات».

لم يكن التخلي الإيراني عن المطالبة بالبحرين قرارًا سهلًا. فإيران كانت قد أعلنت البحرين سنة 1957 «المحافظة الرابعة عشرة»، وظلت المطالبة قائمة رسميًا. لكن إعلان بريطانيا سنة 1968 الانسحاب من الخليج دفع الشاه إلى البحث عن تسوية، مع حاجته إلى مخرج لا يظهره أمام الإيرانيين متخليًا مباشرة عن أرض ظلت دولته تقول إنها إيرانية. وتكشف الوثائق البريطانية أن الخلاف وصل إلى داخل السلطة نفسها؛ فبينما كان الشاه يبحث عن التسوية، ظل وزير خارجيته أردشير زاهدي متشددًا في التمسك بالمطالبة.

هنا ظهر عباس مسعودي في دور يتجاوز عمله الصحافي. ففي 7 ديسمبر/كانون الأول 1968 بحث مع السفير البريطاني دنيس رايت فكرة الاستعاضة عن الاستفتاء المباشر بمهمة للأمم المتحدة تستطلع إرادة البحرينيين، ثم عرضها في الليلة نفسها على الشاه وحصل على موافقته. وفي مايو/أيار 1969 زار البحرين بمباركة الشاه، وكان من أهداف الرحلة إعداد مادة صحافية تساعد على تهيئة الرأي العام الإيراني لاحتمال التخلي عن المطالبة.

لكن السافاك كان يسجل رواية أخرى عن زيارة مسعودي. ففي تقرير مؤرخ في 22 سبتمبر/أيلول 1969، نقل الجهاز ما كان يتردد في البحرين عن وعد قُدم إلى مسعودي بأنه إذا قام بتحركات تؤدي إلى تخلي الحكومة الإيرانية عن مطالبتها بالبحرين، فإن الحكم البحريني سيدفع له ما بين عشرة وخمسة عشر مليون دولار أميركي «أتعابًا». وأضاف التقرير أنه «يقال» إن مسعودي أعطى شيوخ آل خليفة وعدًا إيجابيًا، وإنه قام بالفعل ببعض التحركات لمصلحتهم.



لم يثبت السافاك دفع المبلغ، لكنه لم يتعامل مع الخبر بوصفه شائعة ساقطة. فقد سجلت ممثليته في الكويت أنها تثق بصحة غالبية التقارير الواردة من جماعتها في البحرين، ولذلك رأت أن «احتمال صحة التقرير لا يبدو مستبعدًا». نحن إذن، أمام اتهام استخباري لم يصل إلى درجة الإثبات، لكن الجهاز الذي تلقاه سجل ثقته بمصدره وعدم استبعاده لصحته.

وتزداد أهمية هذه الوثيقة عندما توضع إلى جانب وثيقة السيد الحكيم. ففي النجف لدينا واقعة مباشرة: الشيخ عيسى يأمر بتقديم المال إلى السيد الحكيم، ورزم النقود توضع أمامه، فيرفضها ويقول إن الحاكم ضيفه، وإن كان محتاجًا إلى المال فهم من يستطيع تقديمه إليه. وفي البحرين لدينا تقرير أمني عن ملايين الدولارات المعروضة على رجل يستطيع الوصول إلى الشاه والتأثير في الرأي العام الإيراني.

لا يمكن القول إن المال المزعوم لمسعودي هو الذي غيّر سياسة إيران؛ فالوثائق البريطانية تثبت أن الشاه كان يبحث أصلًا عن مخرج من المطالبة، وأن مسعودي كان يتحرك بعلمه. لكن ذلك يجعل السؤال أكثر تحديدًا: لماذا يظهر المال مرة أخرى حول الشخصية نفسها التي احتاج حكم آل خليفة إلى دورها داخل المسار الإيراني؟

تكشف الوثيقتان، على اختلاف درجة إثباتهما، ملمحًا يصعب تجاهله. حين احتاج حكم آل خليفة إلى مواقف مؤثرة في معركة استقلال البحرين، ظهر المال في الأرشيف الإيراني بوصفه إحدى أدوات كسب هذه المواقف: أمام السيد الحكيم بصورة مباشرة، وحول عباس مسعودي في صورة اتهام لم يستبعد السافاك صحته.

وقد يفتح هذا السلوك بابًا أوسع لفهم العلاقة التي بنتها العائلة الحاكمة تاريخيًا مع القوى الخارجية. فإذا كان المال حاضرًا في محاولات كسب الأفراد والوسطاء القادرين على توفير موقف أو نفوذ تحتاج إليه السلطة، فإن السؤال يمتد إلى من وفروا لها الحماية السياسية والأمنية نفسها: إلى أي مدى قامت هذه العلاقات على استعداد الحكم لدفع الكلفة المالية مقابل الحماية الخارجية وضمان استمرارها؟ عندئذ تصبح وثيقتا السيد الحكيم وعباس مسعودي مدخلًا إلى ملف أكبر: المال لا بوصفه وسيلة لشراء موقف عابر فحسب، وإنما بوصفه أداة محتملة في بناء شبكة الحماية التي اعتمد عليها حكم آل خليفة في علاقاته الخارجية.

مع السيد الحكيم نعرف كيف انتهت المحاولة: رفض المال. أما مع عباس مسعودي، فيترك الأرشيف الإيراني السؤال مفتوحًا: هل بقيت الملايين مجرد وعد، أم أن وراءها وثائق أخرى لم تظهر بعد؟