الزعيم المُخلّد

2026-09-28 - 2:56 ص

مرآة البحرين: تُسجّل في الأزمنة المختلفة أسماء تُشكّل جزء من الذاكرة العالمية وتتحول إلى قصص تروى، وحضورٌ تستلهم منه الأجيال وتتعلم منه، وتفرد له صفحات في الكتب والدراسات والبحوث، ويتحول إلى نموذج في ميادين مختلفة.
وهناك من يرتبط اسمه وفعله بعنوان على الصعيد العلمي، وآخرون ترتبط أسماؤهم بوقائع وأحداث وظروف عملية، وهناك من الشخصيات من يتجاوز كل ذلك ليكون عنواناً ورمزاً وملهماً في مجالات ومسارات متعددة علمية وعملية.

فعندما نحاول استيعاب شخصية رجلٍ انبعث من أسرة فقيرة وبيئة بسيطة، وتحول إلى قائدٍ شغل كل دوائر الاستخبارات العالمية والمحلية، وأجهزة الإعلام والصحافة، ومختبرات البحث والدراسة، و المدارس العسكرية والأمنية، وساهم في إعادة إنتاج القاموس السياسي والعسكري، وأرغم كل القوى الكبرى على أن تحسب ألف حساب للأمة العربية التي استُصغرت لسنوات طويلة وهُمش رأيها وقرارها، لكنه أعاد لها الاعتبار عندما قال ( لا ) للقبول بأن يكون العرب طبقة خامسة خارج التصنيف البشري الذي يتمتع به أسياد العالم، لأنهم في موقع المفعول به، بينما الغرب هو الفاعل.

وسيُسجل في صفحات التاريخ والجغرافيا، أن الرجل أعاد الاعتبار لصورة وسمعة العرب، فكلمات الرجل وخطاباته ووقوفه وجلوسه وإيماءاته ومواقفه وصرخاته وضحكاته وأوامره وتحالفاته وإدارته ومعاركه وكل حركة وسكنة له كانت درساً مدرسياً وجامعياً ومجتمعياً، وسياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، حتى تحول كل خطاب من خطاباته إلى مادة دسمة للتحليل والتقييم والاستلهام والتقييم الصحفي والبحث العلمي، وكذلك في التقدير والتحليل في المطابخ السرية.
فالزعماء التاريخيين لم يكونوا يوماً محل رضا الجميع، ولم تقبل بهم أدوات الاستعمار والاستحمار لأنهم يُشكّلون خطراً عليها، لذلك لن تجد زعيماً أو قائداً أو ملهماً إلا ونالت منه أدوات التبعية العمياء، وعملت على تشويه صورته ونصاعة تاريخه، والمعادلة هي ( كلما أزداد الزعيم نزاهة ازدادت حملات التشويه والتعريض به ).

ولو وقفنا على التاريخ القريب لن تجد زعيماً يذكره التاريخ بخير إلا القليل القليل، سواء كانوا زعماء دول أو زعماء أمة، لأن الزعماء ورّثوا أبنائهم وأحفادهم المليارات والسلطة القسرية والظلم والاضطهاد والتبعية والعار والفساد والخذلان والتآمر على أمتهم وشعوبهم، وفي المقابل مزيد من الثروة والأملاك وسرقة المال العام والتوقيع على بياض للمستعمر والمغتصب، والخداع الذي يطال كل شيء حتى الفطرة والدين والقيم لتكون كلها في خدمة الديكتاتور والمستبد.
لكن الراحل العظيم جاء ورحل فقيراً، لم يملك بيتاً ولا عقاراً ولم يُسيّد أبناءه على أحد، ولم يستولِ على شبر أو دولار واحد من أموال بلده وأرضه الذي حررها بدم ابنه وأهله.
ولم يستخدم كل ذلك النفوذ والحضور والكاريزما والقوة والشعبية العارمة في تغيير موازين القوى في بلده، ولا في غيرها من البلدان الذي كان قادراً فيها على ذلك.

إنه الإنسان الذي سعى إلى الكمال الإنساني كما أراد ربه، وهو القائد العسكري الذي كتب أسطورة نصرٍ لم يستوعب أحد أن تتحقق، ولكنه الإيمان والذكاء الذي صنع المستحيل ، وهو السياسي الذي استخدم أدوات السياسة بنظافة فائقة، وهو العربي الذي رسم خارطة الكبرياء والقوة، لكن أنظمة الأمة كانت عنيدة وتابعة لأعدائها.

لم يستوعب العالم بعد غياب الرجل الاستثنائي على كل المستويات، فهو بلا منازع أبرز قائد عربي في العقود الخمسة الأخيرة، وسيبقى الزعيم المخلد في ذاكرة الأمة وحاضرها ومستقبلها.