أحفاد عبد القيس تحت الحصار: نظام حمد يعاقب الشيعة ويفرض البراءة من ولاية الفقيه
عباس المرشد - 2026-09-19 - 3:14 م
مرآة البحرين: شكّل انتماء البحارنة إلى عبد القيس أكثر من نسبة قبلية حفظتها كتب الرجال والأنساب؛ إذ أصبح جزءًا من الذاكرة التاريخية التي ربطت سكان البحرين والقطيف بالإسلام المبكر، ثم بولائهم للإمام علي وأهل بيته. وكانت عبد القيس الكتلة العربية الكبرى في إقليم البحرين التاريخي، وظلت النسبة إليها حاضرة في أسماء الرواة والعلماء والأسر، قبل أن تتقدم النسبة الجغرافية «البحراني» وتصبح عنوانًا أوسع لجماعة استقر التشيع في وجدانها الديني وبنيتها الاجتماعية.
دفع هذا الولاء عبد القيس إلى تحمل كلفة سياسية واجتماعية باهظة. فقد وقفت القبيلة إلى جانب الإمام علي بن أبي طالب، وشارك رجالها في حروبه الثلاث: الجمل وصفين والنهروان. وجاءت هذه المواقف امتدادًا لموقف مبكر من البيعة، حين تعرضت عبد القيس للضغط والحصار بسبب تمسكها بولائها للإمام علي.
تجددت الكلفة في حصار جواثا، حين ثبتت عبد القيس على إسلامها، بينما حاصرها القسم المرتد من بكر بن وائل وقطع عنها الطعام. ثم توالت الحصارات في تاريخ البحارنة؛ فحاصر القرامطة عبد القيس في الزارة، وتعرض البحارنة لحصارات متعددة في زمن الفوضى السياسية التي أعقبت سقوط الدولة الصفوية، قبل أن يفرض آل خليفة عليهم حصارًا جديدًا بعد احتلال البحرين سنة 1783. اختلفت القوى المحاصِرة والظروف التاريخية، وبقيت الكلفة متصلة بتمسك الجماعة بهويتها وولائها.
الحصار باعتباره ثمنًا للولاء
تكمن دلالة هذه الوقائع في العلاقة بين الحصار والولاء، لا في التشابه بين أدوات المحاصرين. فقد كان بإمكان عبد القيس أن تنجو من بعض الكلفة لو تخلت عن موقفها، أو دخلت في الطاعة التي أرادها خصومها، أو ساومت على ولائها. لكنها قبلت الجوع والعزلة والمواجهة بوصفها ثمنًا لهذا الثبات.
أصبح الحصار، بهذا المعنى، امتحانًا يتكرر كلما أرادت سلطة ما انتزاع الولاء من الجماعة وإعادة توجيهه. يبدأ الصراع حول موقف سياسي أو ديني، ثم ينتقل إلى موارد الحياة لإجبار الناس على التراجع عنه. وتتحول الكلفة المادية إلى وسيلة لضرب علاقة معنوية عجزت السلطة عن تفكيكها بالحجة أو الإقناع.
يستعيد ما يفعله نظام البحرين منذ سنة 2025 المعادلة التاريخية نفسها التي واجهها أسلاف البحارنة من عبد القيس. فالجماعة التي دفعت في جواثا والزارة كلفة تمسكها بولائها يواجه أحفادها اليوم حصارًا جديدًا يضعهم أمام الاختيار ذاته: الأمن والوظيفة والحرية الدينية في مقابل التخلي عن قياداتهم ومرجعياتهم ومواقفهم السياسية. وهكذا تجمع الصلة بين عبد القيس والبحارنة امتداد النسب واستمرار جماعة تحمل الولاء نفسه وتُفرض عليها، في عصور مختلفة، كلفة الثبات عليه.
وأخذت «ولاية الفقيه» موقعها في خطاب وزير الداخلية بوصفها الولاء الذي ينبغي اقتلاعه من المجتمع الشيعي، لا مجرد نظرية سياسية يجوز الاتفاق أو الاختلاف معها. أرادت السلطة من العلماء أن يتبرؤوا من هذا الولاء، ومن المآتم أن تقطع صلتها بالخطاب السياسي، ومن الخطباء أن يخضعوا للتفسير الرسمي للدين، ومن المجتمع أن يتعامل مع اعتقال قياداته وكأنه شأن أمني لا يمسه. وصار الاعتراف بحق الدولة في تحديد المقبول من العقيدة شرطًا ضمنيًا للخروج من الحصار.
من اعتقال العلماء إلى محاصرة المجتمع
مثلت حملة اعتقال العلماء محاولة لإجبار القيادة الدينية على دفع ثمن موقفها. اتصلت القضية بموقع العلماء من الجماعة ورفضهم منح السلطة حق التدخل في عقيدتها ومرجعيتها، أكثر من اتصالها بأفعال جنائية محددة. وحين عجز النظام عن انتزاع الموقف بالضغط، نقل الكلفة إلى الحرية الشخصية، ووضع السجن في مقابل الثبات.
امتدت الكلفة إلى بقية المجتمع. فقد أصبحت الوظيفة عرضة للحرمان، والمأتم عرضة للتدخل، والخطيب محتاجًا إلى شهادة أمنية، والوقف واقعًا تحت سلطة الوزير، والعمل الخيري محاصرًا بقيود تحول دون وصوله إلى المحتاجين وأسر المعتقلين. تحمل كل أداة رسالة واحدة: يستطيع الشيعة تخفيف الضغط عن أنفسهم إذا قبلوا التخلي عن استقلالهم الديني والسياسي.
تجاوز الحصار بذلك العلماء والجمعيات إلى البيئة التي تحتضنهم. فالسلطة تدرك أن الولاء يعيش في الأسرة والمأتم والمنبر والوقف وشبكات التكافل والذاكرة الجماعية، ويتجاوز حدود البيان السياسي. ولهذا توزعت الكلفة على هذه المؤسسات كلها، حتى يشعر الفرد بأن تمسكه بولائه يهدد رزقه وأسرته ومؤسساته الدينية إلى جانب أمنه الشخصي.
ولاية الفقيه وشرط البراءة
يريد نظام حمد تحويل الخلاف مع ولاية الفقيه إلى امتحان ولاء لمواطنيه الشيعة. يصبح المواطن مقبولًا حين يعلن براءته منها، ويصبح العالم معتدلًا حين يصمت عن استهدافها، ويصبح المأتم قانونيًا حين يتخلى عن كل خطاب يمكن أن يحمل معنى سياسيًا. أما التمسك بالمرجعية أو الدفاع عن العلماء أو رفض وصاية الدولة على الشعائر فيدخل صاحبه دائرة الاشتباه.
تكشف هذه السياسة عن محاولة لإعادة تعريف الشيعي المقبول رسميًا. فهو الشيعي الذي يحتفظ بطقوسه ويتخلى عن ولائه، ويمارس شعائره من دون أن يستمد منها موقفًا، ويزور الحسين من دون أن يرى في ثورته معيارًا للحكم على الظلم، ويتبع عالم الدين ما دام هذا العالم معترفًا بحدود السلطة فوق الدين.
يمثل هذا الشرط جوهر الحصار المعاصر. فالمطلوب من المجتمع يتجاوز الالتزام بالقانون إلى إعادة ترتيب ولاءاته وفق إرادة الحكم، بينما تؤدي العقوبات السياسية والاقتصادية والدينية وظيفة حمله على قبول هذا الترتيب.
الحصار الأشد
لهذا يبدو الحصار الراهن أشد من الحصارات السابقة، لا لأن أدواته أكثر دمًا بالضرورة، بل لأنه أكثر شمولًا واستمرارًا. كان حصار جواثا ظاهرًا؛ يعرف المحاصَر عدوه ويرى الطوق المضروب حوله. وكان حصار الزارة ينتهي بسقوط الحصن أو انكسار الجيش. أما الحصار الحديث فيدخل المدرسة والمحكمة والوظيفة والوقف والمأتم والمنبر والإعلام والسجل السكاني، ثم يقدم نفسه بوصفه قانونًا وإدارة وحماية للأمن.
لكن تاريخ عبد القيس يكشف أيضًا عطب هذا الرهان. فقد أخفق الحصار في محو الجماعة، وكان في كل مرة يعيد تثبيت حدودها ويمنح ذاكرتها معنى جديدًا. ثبت أهل جواثا أمام الجوع، واستمر الحضور العبدي بعد تدمير الزارة، وصمدت الهوية البحرانية في البلاد خلال قرون الاضطراب والجباية والتهجير.
وتكشف هذه النتيجة المفارقة التي يعجز نظام البحرين عن رؤيتها. فهو يزعم أنه يحارب نفوذًا خارجيًا، لكنه يبني بحربه جماعة داخلية أكثر تماسكًا. يريد تفكيك الولاء الديني، فيحوّله إلى رابطة مقاومة. ويسعى إلى إخضاع الشعائر، فيجعل الدفاع عنها قضية وجود. ويحاول عزل العلماء، فيعيد إنتاج مكانتهم بوصفهم عنوانًا لحماية الجماعة.
من جواثا إلى الزارة، ومن القرى المنهوبة بعد سقوط الدولة الصفوية إلى الدولة التي قامت سنة 1783، وصولًا إلى نظام حمد، عرف البحارنة كلفة ولائهم ودفعوها. وسيعجز إعلان الحرب على مذهبهم عن إعادة هندستهم على صورة السلطة؛ فالحصار الذي يراهن النظام على أن يخنقهم قد يكون هو نفسه ما يعيد وصل حاضرهم بأطول تقاليدهم التاريخية: البقاء من دون تسليم، ودفع الكلفة من دون التخلي عن الهوية.
- 2026-09-19أجهزة الأمن في البحرين: من حماية المواطن إلى مصدر قلقه
- 2026-09-18حين تتحول إدارة الدين إلى سلطة: من يملك الوقف والمنبر؟
- 2026-09-17حديثٌ منفصم عن "مكتسبات حقوقية".. إنها البحرين يا سادة!
- 2026-09-16سلطة آل خليفة تُعادي القاصرين فأية عدالة تتغنّى بها؟!
- 2026-09-14شكراً إيران... التي خلّصتنا من جبل النار