مرآة البحرين: مرسوم العودة إلى نظام المخاتير.. صناعة «المخبر المحلي» والبديل عن الانتخابات

عباس المرشد - 2026-08-31 - 11:05 م


مرآة البحرين:أعاد ملك البحرين نظام المخاتير بعد أكثر من عقدين على إلغائه، في خطوة يصعب قراءتها باعتبارها مجرد عودة إلى نظام إداري قديم. فالمختار الذي عرفته البحرين قبل تنظيمه رسميًا في ثلاثينات القرن الماضي كان ابن مرحلة مختلفة؛ دولة محدودة الأجهزة تحتاج إلى شخص يمثل القرية أمامها وينقل مطالب أهلها إليها، على نحو يشبه وظيفة العمدة في بعض الدول. أما إعادته اليوم، في دولة تمتلك المحافظات والبلديات والوزارات وأجهزة إدارية تصل إلى أصغر قرية، فتطرح سؤالًا مختلفًا: لماذا يحتاج النظام إلى المختار الآن؟

الأرشيف يجعل توقيت العودة أكثر إثارة للشك؛ فالمختار ليس فكرة استدعتها الإدارة فجأة في 2026، وإنما صيغة تعود إلى الواجهة كلما دخلت علاقة السلطة بالمؤسسات الشعبية في منعطف سياسي. فقد أُعيد بناء نظام المخاتير في التسعينات، وسط الانتفاضة الدستورية التي كان مطلبها المركزي إعادة العمل بدستور 1973 وعودة المجلس المنتخب، ثم عاد النقاش بشأن المخاتير في 2002، بعد الأزمة الدستورية وولادة المجالس المنتخبة، إلى حد طرح تحويلهم إلى «أعيان» ملحقين بالمحافظات. واليوم يعود المختار مرة أخرى بعد تعطيل الانتخابات النيابية. هذا التكرار يضعف تفسير المسألة باعتبارها حاجة إدارية، ويطرح تفسيرًا سياسيًا أكثر اتساقًا: كلما تقدمت المطالبة بتمثيل ينتجه المجتمع، تستعيد السلطة صيغة مقابلة يكون التعيين فيها هو الطريق إلى إنتاج الممثلين من أعلى.

وبالتالي فإن العودة إلى نظام المختار تكتسب دلالتها السياسية من المنعطف الذي تمر به البحرين بعد تعطيل الانتخابات النيابية. فما يجري لا يتعلق بإحياء وظيفة محلية قديمة بقدر ما يفتح السؤال عن النموذج الذي يجري إعداده لإدارة المجتمع في مرحلة يتراجع فيها التمثيل المنتخب. ومن هذه الزاوية يصبح المرسوم جزءًا من مسار أوسع يعيد الاعتبار إلى التعيين بوصفه أداة لإنتاج الممثلين والنخب من أعلى، في مقابل تقليص المساحات التي يستطيع المجتمع من خلالها إنتاج نخب مستقلة عن السلطة.

وهذه المعادلة تكشف واحدة من أكثر المشكلات ثباتًا في علاقة النظام البحريني بالنخب. فالسلطة لا تخشى وجود النخب في حد ذاته؛ إنها تحتاج إلى الوجهاء ورجال الدين ورجال الأعمال وأعضاء المجالس ورؤساء المؤسسات. ما تخشاه هو استقلال هذه النخب عنها: أن يمتلك النائب ناخبيه، والجمعية أعضاءها، والنقابة عمالها، والعالم جمهوره، وأن يستمد كل منهم قوته من قاعدة اجتماعية لم تصنعها الدولة ولا تستطيع سحبها منه بقرار.

ومن هنا يمكن فهم الاتجاه نحو إحلال الأعيان محل النخب المستقلة. فالدولة لا تستطيع إدارة المجتمع بلا وسطاء، لكنها تستطيع اختيار الوسطاء الذين تريدهم. وبدل أن يفرز المجتمع ممثليه ثم يفرض وجودهم على الدولة، تختار الدولة شخصيات من المجتمع، تمنحها الموقع والصفة والقدرة على الوصول إليها، ثم تعيد تقديمها باعتبارها ممثلة لمناطقها وجماعاتها.

لكن إعادة نظام المخاتير قد تحمل وظيفة أخرى أكثر تعقيدًا من مجرد صناعة الأعيان. فالتعيين لا يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع فقط، وإنما يمكن أن يعيد تشكيل العلاقات داخل المجتمع نفسه. فحين يصبح القرب من السلطة طريقًا إلى موقع المختار، ويتحول الموقع إلى مصدر نفوذ وقدرة على الوصول إلى مؤسسات الدولة، تبدأ المنافسة المحلية على من يحظى باعتراف السلطة ومن يدخل دائرة الأعيان الجديدة.

وبذلك تستطيع الدولة أن تنقل جزءًا من الصراع من العلاقة بينها وبين المجتمع إلى داخل المجتمع نفسه. فبدل أن تتنافس القوى الاجتماعية على تمثيل الناس أمام السلطة، يبدأ الأفراد والعائلات والوجهاء بالتنافس على اعتراف السلطة بهم ممثلين للناس. وهنا يصبح التعيين أداة لإنتاج الولاء، لا مجرد وسيلة لاختيار موظف محلي.

وهذه الآلية قد تكون أكثر أهمية من المختار نفسه. فالسلطة تستطيع من خلالها توسيع طبقة الموالين دون أن تصنعها كلها مباشرة؛ يكفي أن تجعل القرب منها موردًا اجتماعيًا يستحق المنافسة. عندها يصبح الدخول إلى طبقة الأعيان طريقًا إلى النفوذ والمكانة والقدرة على إنجاز المصالح، ويتحول المجتمع من منتج لنخبه إلى ساحة يتنافس فيها الأفراد على الدخول إلى شبكة النخب التي تعتمدها الدولة.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقًا بطبيعة وظيفة المختار الجديدة. فإذا تجاوز دوره نقل الاحتياجات الخدمية إلى متابعة النشاط الاجتماعي والأشخاص والتجمعات والمواقف داخل منطقته، فإننا سنكون أمام تحول آخر في طبيعة المؤسسة: من وسيط ينقل المجتمع إلى الدولة إلى عين للدولة داخل المجتمع. وعندها يقترب المختار، وظيفيًا لا قانونيًا، من نموذج «المخبر المحلي» أكثر مما يقترب من نموذج الممثل المحلي.

وهذا ما يجعل عودة المخاتير بعد تعطيل الانتخابات أكثر دلالة من مجرد استعادة مؤسسة قديمة. فإضعاف مجلس النواب وإغلاق الجمعيات السياسية وتضييق المجال الأهلي لم يلغ حاجة الدولة إلى شخصيات تتحدث باسم المجتمع؛ وإنما خلق حاجة إلى نخب بديلة أكثر قابلية للضبط، وإلى شبكة محلية تستطيع الدولة من خلالها الوصول إلى المجتمع وإعادة ترتيب موازين المكانة والنفوذ داخله.

لذلك لا تبدو عودة المختار رجوعًا إلى الماضي بقدر ما تبدو جزءًا من هندسة المرحلة المقبلة: بدل منطق النائب المنتخب يتقدم منطق المختار المعين، وبدل النخب المستقلة أعيان مرتبطون بالدولة، وبدل التنافس على ثقة المجتمع تنافس على ثقة السلطة.

وقد لا يكون المختار بديلًا دستوريًا مباشرًا لمجلس النواب، لكنه يكشف طبيعة البديل الذي يمكن أن يتشكل بعد تعطيل الانتخابات: تمثيل بلا انتخاب، ونخب بلا استقلال، وأعيان تصنعهم السلطة، ومجتمع يعاد ترتيب قياداته من أعلى.

بهذا المعنى يفصح المرسوم الملكي عن توجه يتجاوز إعادة نظام المخاتير نفسه، ويكشف ملامح هندسة الدولة في المرحلة المقبلة: التعيين هو الأصل، والاستقلالية هي الاستثناء، والقرب من السلطة طريق جديد إلى تمثيل المجتمع.