محمد السنكيس: حين لا ينتهي السجن عند بابه

عبد الله البحراني - 2026-08-13 - 2:51 م

مرآة البحرين: هل تنتهي العقوبة حقاً عندما يُفتح باب السجن؟
في الحساب القانوني، تبدو الإجابة واضحة: تنتهي العقوبة بانتهاء مدتها، ويستعيد الإنسان حريته، ويعود إلى مجتمعه بما له من حقوق. لكن الحياة لا تُقاس دائمًا بما تقوله النصوص؛ ففي واقعنا البحريني، قد يخرج الإنسان من الزنزانة بجسده، بينما تبقى قضبانها ممتدة في رزقه وعمله ومستقبله، بل وفي تفاصيل حياته المدنية. وكأن فتح باب السجن لا يعني بالضرورة فتح الطريق إلى حياة جديدة، بل قد يترك وراءه عقوبة أخرى. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يكفي أن يُفتح باب الزنزانة حتى نقول إن السجن انتهى؟

قضية المواطن محمد السنكيس تقدم مثالاً موجعاً على هذا «العقاب الممتد». ففي أبريل 2024، خرج السنكيس متنفساً الصعداء، بعد أحد عشر عاماً قضاها خلف القضبان على خلفية أحداث عام 2011. كان من الطبيعي أن يُنظر إلى الإفراج عنه باعتباره نهاية لمرحلة طويلة من المعاناة، وبداية لاستعادة ما تبقى من العمر. لكن الواقع كشف عن وجه آخر؛ فالسنكيس لم يخرج إلى حياة طبيعية، بل خرج ليواجه جداراً جديداً تمثل في حرمانه من العودة إلى عمله كفني مختبرات في وزارة الأشغال.
وبحسب ما أوردته منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB)، فإن سنوات السجن الإحدى عشرة تركت وراءها معاناة لم تنتهِ بخروجه، من بينها ما ذكرته المنظمة بشأن الحرمان من الرعاية الطبية، إلى جانب صعوبة استعادة حياته المهنية ومصدر رزقه. وهكذا لم يعد الخروج من السجن نهاية للمعاناة، بل بداية لمرحلة أخرى من محاولة استعادة الحياة.
وهنا تتغير طبيعة القضية من ملف وظيفي إلى معركة كرامة إنسانية. فالرجل لم يكن يطلب امتيازاً، بل كان يحاول استعادة حق بديهي في أن يعمل، ويكسب رزقه، ويعيل أسرته. وبعد أكثر من عقد من التغييب، لم تعد الوظيفة مجرد مصدر للدخل؛ بل أصبحت جزءاً من محاولة استعادة حياته ومكانه الطبيعي في المجتمع. لكن المطالبة بهذا الحق، التي بدأت عبر القنوات الرسمية وانتهت باعتصام سلمي في قلب المنامة، قوبلت بتوقيفه عدة مرات. وهنا تبرز المفارقة المرة: أن يخرج الإنسان من السجن، ثم يجد نفسه يعود إليه لأنه طالب بحقه في العمل.

هذه الواقعة تضع المقاربة الأمنية أمام سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كان الخلاف يتعلق بحق وظيفي ومدني، فلماذا يُواجه بالاحتجاز وسوء المعاملة؟ كما أن ما أوردته المنظمات الحقوقية بشأن تعرض السنكيس للاعتداء الجسدي والإهانة اللفظية أثناء احتجازه الأخير يثير أسئلة جدية حول دور المؤسسات التي أُنشئت تحت لافتة حماية الحقوق، وفي مقدمتها الأمانة العامة للتظلمات والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان.
فالمؤسسات التي تُعنى بحماية الحقوق لا تُقاس بجمال شعاراتها، وإنما بقدرتها على حماية المواطن عندما يشتكي، والتحقيق الجاد في ادعاءات الانتهاك، وضمان المساءلة عندما يثبت وقوع التجاوز. وحين تغيب المساءلة، أو لا تقنع نتائجها المجتمع، تفقد هذه المؤسسات جزءاً من الغاية التي أُنشئت من أجلها، وتبدو عاجزة عن تغيير الواقع الذي يفترض أن تواجهه. ومن هنا تتجاوز قضية السنكيس شخصه، لتلامس سؤالاً أوسع: ماذا يحدث حين تصبح آثار السنوات الماضية جزءاً من الحياة اليومية، وحين لا يعود القهر حادثة استثنائية، بل شيئاً نتعلم كيف نتعايش معه؟

المشكلة ليست فقط في أننا نعرف ما يحدث، بل في الخشية من أن يتحول القهر إلى خبز يومي نعتاد عليه، وأن تصبح آثار السنوات الماضية جزءاً طبيعياً من حياة الناس. فالعدالة لا تكتمل بفتح باب الزنزانة، بل بضمان ألا يتحول الماضي السياسي إلى قيد غير مكتوب يحرم المواطن من أبسط حقوق المواطنة.
وفي البحرين، حيث تركت سنوات الصراع جراحاً في أكثر من بيت، لا يمكن أن يستقر المجتمع فعلاً إذا ظل الماضي يمتد إلى حياة الإنسان بعد خروجه من السجن، في رزقه وعمله ومستقبله. ومن هنا تصبح استعادة حقوق أمثال السنكيس جزءاً من أي حديث جدي عن طي صفحة الماضي وبناء استقرار يقوم على الإنصاف، لا على بقاء آثار العقوبة.

ختاماً، تبقى قضية محمد السنكيس اختباراً لضمير الدولة، ولقدرتها على أن تجعل العدالة فعلاً يتجاوز حدود الإفراج. فالسنوات التي ضاعت لا يمكن تعويضها، لكن المستقبل لا ينبغي أن يظل رهينة لآثار إقصائية تمتد إلى رزق المواطن وحياته. والحل لا يكمن في الزنازين، بل في شجاعة الإنصاف وإعادة الحقوق إلى أصحابها. فالعدالة الحقيقية ليست مجرد الإفراج عن سجين؛ العدالة أن تخرج الزنزانة من حياة الإنسان تماماً، ليعود مواطناً كامل الكرامة، في وطن لا يحاربه في لقمة عيشه.