كيف يكتب القادة ذاكرتهم؟

قراءة في كتاب "إن مع الصبر نصرًا"... مذكرات السيد علي الخامنئي العربية

عبد الله البحراني - 2026-07-14 - 4:32 ص

مرآة البحرين: ماذا يحدث عندما يقرر قائد سياسي أن يكتب ذاكرته؟
في تلك اللحظة لا يعود التاريخ مجرد تسلسلٍ للأحداث، بل يصبح تجربةً إنسانية يرويها أحد الذين صنعوها أو عاشوها من الداخل. فالوثائق تخبرنا بما وقع، أما المذكرات فتخبرنا كيف عاش أصحابها ما وقع. ومن هنا تنبع خصوصية كتاب «إن مع الصبر نصرًا»، الذي يعود فيه السيد علي الخامنئي إلى سنوات التكوين، لا إلى سنوات السلطة، مقدمًا شهادة شخصية تفتح بابًا مختلفًا لقراءة أدب المذكرات السياسية.
فالمذكرات السياسية لا تُقاس بعدد المعلومات الجديدة التي تقدمها، بقدر ما تُقاس بقدرتها على تفسير الإنسان الذي صنع الحدث. وإذا كان التاريخ يهتم بما وقع، فإن المذكرات تهتم بكيفية عيش ذلك الحدث، وبالطريقة التي أعاد بها صاحبها فهمه بعد أن أصبح جزءًا من ذاكرته. ومن هنا تكتسب قيمتها بوصفها مصدرًا لفهم التجربة الإنسانية أكثر من كونها سجلًا للوقائع.

كيف وُلد هذا الكتاب؟
لا يقدم كتاب «إن مع الصبر نصرًا: مذكرات السيد علي الخامنئي العربية» نفسه بوصفه تأريخًا للثورة الإسلامية، ولا محاولة لإعادة تفسير أحداثها، بقدر ما يقدم شهادة شخصية على السنوات التي تشكلت فيها شخصية صاحبه قبل انتصار الثورة الإسلامية. إنه كتاب ينطلق من سؤال مختلف: كيف يُصنع القائد قبل أن يصبح قائدًا؟ ولذلك فإن قيمته لا تكمن في تتبع مسار السلطة، بقدر ما تكمن في تتبع رحلة التكوين الإنساني والفكري التي سبقتها.
وتدور هذه الرحلة في إيران خلال العقود الأخيرة من حكم الشاه، وهي مرحلة اتسمت بتصاعد النشاط السياسي والديني المعارض، وانتهت بقيام الثورة الإسلامية عام 1979. غير أن الكتاب لا يجعل هذا السياق محورًا لسرده، بل يكتفي بما ينعكس منه على تجربة صاحبه الشخصية.
خرج الكتاب من جلسات أسبوعية كان السيد علي الخامنئي يتحدث فيها بالعربية عن تجربته، ثم جُمعت هذه الشهادات الشفهية ونُقحت لتصدر في كتاب حافظ على طابعها الأصلي. ويُحسب للدكتور محمد علي آذرشب نجاحه في تحرير الروايات الشفهية وإعادة ترتيبها دون أن يفقد النص عفويته أو صوت راويه، وهي إحدى أبرز نقاط قوة الكتاب. وقد افتُتح الكتاب بإهداء إلى شباب العرب، وهو ما ينسجم مع خصوصيته بوصفه مذكرات كُتبت بالعربية ابتداءً، لا ترجمةً عن لغة أخرى، فجاء القارئ العربي مخاطبًا أصيلًا بهذا العمل. وعند إطلاق الكتاب، دعا السيد حسن نصر الله رحمه الله إلى قراءته، مشيرًا إلى خصوصيته بوصفه مذكرات كُتبت بالعربية وخاطبت القارئ العربي مباشرة.

سيرة التكوين... لا سيرة السلطة
من يقرأ «إن مع الصبر نصرًا» بحثًا عن وقائع سياسية كبرى أو أسرار من كواليس السلطة سيكتشف أن الكتاب يختار طريقًا مختلفًا؛ فمحوره ليس الدولة ولا الثورة، بل الإنسان الذي سبق كليهما. لذلك تتقدم سنوات الطفولة، والدراسة، والقراءة، والاعتقال، والمنفى على سنوات السلطة، في رحلة تكشف كيف تتشكل الشخصية القيادية عبر تراكم التجارب، لا عبر المناصب. فلا يقدم المؤلف قائدًا مكتملًا منذ الصفحة الأولى، بل إنسانًا يتكون تدريجيًا، وتصبح كل تجربة لبنة في بناء رؤيته الفكرية والإنسانية.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه أن المؤلف لا يتعامل مع السجن أو المنفى بوصفهما محطتين استثنائيتين، بل باعتبارهما جزءًا من عملية التكوين نفسها. فالمحنة هنا لا تُستخدم لإثارة التعاطف، ولا لتأكيد البطولة، وإنما لفهم أثرها في بناء الإنسان. ولهذا تبدو صفحات السجن والمنفى من أكثر صفحات الكتاب عمقًا وتأثيرًا. ويتجلى ذلك بوضوح في فصل «الزنزانة 14»، حيث يحول المؤلف تجربة الاعتقال إلى مشهد إنساني حي، تتداخل فيه تفاصيل المكان والحوار والتوتر النفسي، فلا تصبح الزنزانة مجرد مكان للاحتجاز، بل مساحة لاختبار الإرادة والوعي. وهو مثال يلخص طبيعة الكتاب؛ إذ لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعيد إليها نبضها الإنساني.
ولا يقتصر هذا الأسلوب على مشاهد السجن؛ فحتى الصفحات التي يتحدث فيها عن طفولته، ودراسته، وشغفه المبكر بالقراءة، تتحول فيها التفاصيل اليومية إلى مفاتيح لفهم الشخصية، لا إلى مجرد ذكريات شخصية. وهذه القدرة على تحويل العادي إلى دالّ هي إحدى السمات السردية البارزة في الكتاب.
ولا تكمن خصوصية الكتاب في موضوعه فحسب، بل في زاوية نظره؛ إذ يعود إلى الإنسان قبل القائد، وإلى سنوات التكوين قبل سنوات السلطة، فلا يقدم تبريرًا لقرارات لاحقة بقدر ما يكشف كيف تشكلت الشخصية التي اتخذتها. وربما يترك إيجاز المؤلف في بعض المحطات السياسية القارئ راغبًا في مزيد من التفاصيل، وكأنه يدعوه إلى استكمال الصورة من مصادر التاريخ، مكتفيًا هو برسم أثر تلك الأحداث في تكوين الشخصية.

شهادة شخصية... لا بديلًا عن التاريخ
الكتاب لا يعيد كتابة التاريخ، وإنما يعيد بناء التجربة الإنسانية التي صنعت جانبًا منه. ومن هنا يسلط الضوء على البيئة الاجتماعية والعلمية التي تبلورت فيها شخصية السيد علي الخامنئي، ويكشف أثر الأسرة، والحوزة العلمية، والقراءة، والسجن، والمنفى، في صياغة رؤيته الفكرية والسياسية. فالحدث لا يُستدعى لذاته، بل لأثره في تشكيل الإنسان. كما يفتح الكتاب نافذة على الحياة الفكرية والاجتماعية في إيران قبل الثورة، من خلال التجربة الشخصية لا السرد الأيديولوجي، تاركًا الوقائع تتحدث عن نفسها.
ويبقى الكتاب شهادة شخصية ينبغي قراءتها إلى جانب المصادر التاريخية الأخرى، لا بوصفها بديلًا عنها. ولهذا تبدو هذه المذكرات ذات قيمة خاصة للقارئ المهتم بالتاريخ السياسي، وأدب السيرة، وتحولات الفكر في العالم الإسلامي، كما تمنح الشباب الذين وُجه إليهم إهداء الكتاب فرصة للتعرف إلى سنوات التكوين التي سبقت ظهور الشخصية العامة لصاحبها.
ويؤخذ على الكتاب إيجازه في بعض الشخصيات والأحداث، وهو ما يترك القارئ راغبًا في مزيد من التفاصيل. غير أن هذا الإيجاز يبدو مقصودًا؛ فالمؤلف لا يكتب تاريخ الثورة، بل تاريخ تكوين أحد صناعها، لينقل اهتمام القارئ من سؤال "ماذا حدث؟" إلى سؤال "كيف غيّرت الأحداث الإنسان الذي عاشها؟".

خاتمة... حين تكتب الذاكرة ما لا تقوله الوثائق
عندما يطوي القارئ الصفحة الأخيرة من «إن مع الصبر نصرًا»، يدرك أنه لم يقرأ مذكرات سياسية بالمعنى التقليدي، بل شهادة إنسانية على مرحلة مفصلية من تاريخ إيران الحديث. فالمؤلف لا يكتب من موقع المؤرخ الذي يجمع الوثائق ويوازن بين الروايات، ولا من موقع السياسي الذي يسعى إلى تبرير خياراته، وإنما من موقع الشاهد الذي يستعيد رحلة التكوين بكل ما حفلت به من دراسة، وقراءة، وسجن، ومنفى، وعمل ثقافي، قبل أن يصبح أحد أبرز صناع القرار في بلاده.
الكتاب لا ينافس الدراسات التاريخية، ولا يدّعي الإحاطة بجميع وقائع الثورة الإسلامية، بل يضيف إليها ما تعجز الوثيقة الرسمية عن نقله: البعد الإنساني. وإذا كانت الوثائق تحفظ تسلسل الأحداث، فإن المذكرات تحفظ أثر تلك الأحداث في وجدان من عاشها، وبينهما تكتمل الصورة بصورة أقرب إلى الفهم منها إلى مجرد المعرفة.
ويبقى السؤال الذي بدأنا به حاضرًا بعد إغلاق الصفحة الأخيرة: كيف يكتب القادة ذاكرتهم؟
يبدو أن الإجابة التي يقترحها هذا الكتاب هي أن القائد، حين يكتب ذاكرته، لا يضيف رواية جديدة للأحداث بقدر ما يكشف الإنسان الذي عاشها. فالذاكرة لا تُكتب من قمة السلطة، بل من الطريق الذي قاد إليها. وإذا كانت هذه الصفحات قد كُتبت لتوثق رحلة إنسان قبل أن يصبح قائدًا، فإنها تُقرأ اليوم، بعد رحيل مؤلفها، بوصفها جزءًا من إرثه الفكري والإنساني، وشهادةً بقيت بعد صاحبها.
ومن هذه الزاوية، لا يضيف «إن مع الصبر نصرًا» إلى أدب المذكرات السياسية كتابًا جديدًا فحسب، بل يرسخ مكانته بوصفه شهادةً إنسانية لفهم الإنسان الذي سبق القائد، والطريق الذي سبق السلطة.