عاشوراء البحرين 1448: موسم الصمود والثبات تحت الحصار والتهديد

2026-06-06 - 8:09 م

مرآة البحرين: عاشوراء هذا العام ستكون مُختلفة في البحرين. الأنظار تترقّب كيف سيحيي البحرينيون موسم العزاء الحسيني الذي ينتظره الكثير من المسلمين والموالين لأهل البيت (ع). فعندما توصف البحرين بـ"كربلاء الثانية"، لا يمكن أن تُقبِل المناسبة الحزينة التي ينكبّ آلاف البحرينيين كلّ عام على إحيائها على مدار شهريْن متواصليْن، إلّا وتُشكّل محطّ اهتمام للمراقبين ولاسيّما من تهُمّه شؤون المسلمين.

خصوصية هذا العام تعود إلى ما يجري من حرب جليّة على الشيعة وهويّتهم وعقائدهم وشعائرهم، في ظلّ إشارات على نوايا سيئة ومحاولات تضييق ستطال برامج ومظاهر الإحياء الحسيني. بحسب آخر المعطيات، طُلب ابتداءً من مناسبة استشهاد الإمام الجواد (ع) أن تنحصر الشعائر داخل الحسينيات وفي المآتم دون أن تخرج إلى الشوارع من دون أي مبرر، وهنا بيت القصيد. المطلوب أن تتغيّر صورة العزاء البحريني الأصيل الذي المعتاد، وأن تتقلص مساحة الإحياء. وهذا يعني أن محرم القادم سيشكّل اختبارًا حقيقيًا لمدى صمود وتمسّك الموالين بشعائرهم مهما بلغت التحديات والمحاذير.

من هنا نفهم الشعار المركزي الذي أعلنه علماء البحرين لعاشوراء 1448 "لا معبود سِواك". الشعار واضح في هدفه: تركيز عقيدة التوحيد كمحور مُطلق لكلِّ مفاصل الحراك الإصلاحيِ في الأمة الإسلامية، وترسيخ عقيدة الرفض لكلِّ عبودية لغير اللّٰه تعالى سواء على الصعيد النفسي وأهواء النفس أم على الصعيد المجتمعيِ من الأصنام المصطنعة بكافة أشكالها وصورها الحديثة والقديمة، وتعميق روح اللجوء إلى القوي المطلق سبحانه وتعالى والتوكل عليه في الشدة والرخاء، والاعتماد عليه في النعمة والبلاء، والثقة بِه وحده لا شريك له، والإطمئنان بتأيِيده ونصره عزّ اسمه.

الهدف الأهمّ بحسب العلماء من إطلاق هذه التسمية على عاشوراء هذه السنة هو بعثُ روح الصبر الاستراتيجيِ والصلابة في مواجهة الصعاب، وإن طريق الحقِّ لا يخلو من الأشواك وسُنة الله تعالى في المصلحين أن يبتلوا، والقرآن الكريم وسيرة الإمام الحسين (عليِّه السَّلام) يُعلمان أن الصبر ليس استسلامًا بل هو صمودٌ مدروس وعزيمةٌ راسخة تُحوِّل المحنة إلى منحة، والكرب إلى فرج.

في ظلّ هذا المشهد، ما هو حتميّ أن عاشوراء هذا العام ستتحوّل إلى محطة معنوية وثقافية وروحية لشعبٍ يريد الحفاظ على هويّته الدينية الأصيلة، مقابل سلطة تحاول إعادة تشكيل هذه الهوية بما يتناسب مع شروطها الأمنية والسياسية. ولذلك، فإنّ كلّ تفصيل في الموسم الحسيني المقبل سيحمل دلالات كبيرة، من حجم المشاركة الشعبية، إلى طبيعة المجالس، إلى حضور الرايات والمواكب والشعائر التي طالما شكّلت جزءًا من ذاكرة البحرينيين ووجدانهم الجماعي.

البحرينيون يدركون جيدًا أن استهداف عاشوراء لا ينفصل عن استهداف الحضور الشيعي العام في البلد. فحين تُحاصَر الحسينيات، ويُضيّق على العلماء والخطباء والرواديد إلى حد الاعتقال التعسفي، وتُفرض القيود على المظاهر العاشورائية، يصبح المقصود أبعد من مجرّد تنظيم أو إجراءات. المسألة تمسّ جوهر الانتماء والحقّ الطبيعي في التعبير عن العقيدة والشعائر والهوية. ولذلك، فإنّ الإصرار الشعبي على إحياء عاشوراء سيحمل معنى الثبات على هذا الحقّ وعدم التفريط به مهما بلغت الضغوط.

عبر التاريخ، لم تكن عاشوراء يومًا مجرّد موسم للبكاء والحزن فقط، بل شكّلت مدرسةً متكاملة في الوعي والكرامة والصمود. ومن هنا، يكتسب الموسم الحسيني المقبل في البحرين حساسيته وأهميته الاستثنائية، لأنّه يأتي في لحظة يشعر فيها كثير من أبناء الطائفة بأنّهم مستهدفون في وجودهم الديني والاجتماعي والسياسي. ولهذا السبب أيضًا، فإن الالتفاف الشعبي حول الشعائر هذا العام قد يكون أوسع وأعمق، بوصفه تعبيرًا عن التمسّك بالهوية ورفض محاولات الإلغاء والإقصاء.

من هنا، ستكون عاشوراء 1448 مناسبةً مفصلية بكلّ معنى الكلمة. هي ليست مجرّد أيّام عزاء، بل امتحانٌ حقيقي لعلاقة السلطة مع المكوّن الشيعي في البلد، واختبار لمدى قدرة البحرينيين على حماية شعائرهم وهويّتهم تحت الضغط. وفي المقابل، سيحاول الموالون أن يُثبتوا مرةً جديدة أنّ العزاء الحسيني في البحرين ليس طقسًا موسميًا قابلًا للإلغاء أو التبديل، بل هو جزءٌ حيّ من وجدان الناس وذاكرتهم الجماعية وروحهم الإيمانية التي لم تنكسر رغم كلّ سنوات التضييق.

ولعلّ الرسالة الأوضح التي يحملها موسم هذا العام هي أنّ مدرسة الإمام الحسين (ع) التي قامت على رفض الظلم والخضوع ما زالت حيّة في وجدان البحرينيين. فكلّما اشتدّت المحن، ازداد التمسّك بعاشوراء، وكلّما حاول البعض حصر هذا الصوت وإخفاءه، عاد أكثر حضورًا وتجذّرًا في النفوس. لذلك، لن يكون محرّم القادم حدثًا عاديًا في البحرين، بل محطةً ستكشف الكثير عن حجم الصبر الشعبي، وعمق الارتباط بالحسين (ع)، واستعداد الناس للدفاع عن شعائرهم مهما كانت التحديات.