توحيد الأوقاف في البحرين.. إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والطائفة الشيعية
عبد الله البحراني - 2026-05-29 - 4:51 ص
مرآة البحرين: أثار المرسوم الملكي رقم (18) لسنة 2026، الصادر بتاريخ 26 مايو 2026، بشأن تشكيل مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية برئاسة وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف [1]، جدلاً واسعاً في البحرين، باعتباره أحد أبرز التحولات التي طالت إدارة الشأن الديني خلال السنوات الأخيرة.
فالمرسوم الجديد لا يقتصر على إعادة تنظيم إداري للأوقاف، بل ينهي عملياً الصيغة السابقة لمجلسي الأوقاف السنية والجعفرية، ويضعهما ضمن مجلس موحد تديره السلطة التنفيذية بشكل مباشر، وذلك بعد أقل من عام على صدور مرسوم تنظيم الأوقاف السنية والجعفرية لعام 2025.
وبينما تقدم السلطات القرار باعتباره خطوة تهدف إلى تحديث الإدارة وتعزيز الرقابة والشفافية، تنظر إليه قطاعات واسعة من الشيعة في البحرين بوصفه تحولاً سياسياً ودينياً يتجاوز الإطار الإداري، ويمس بصورة مباشرة طبيعة الأوقاف الجعفرية واستقلاليتها التاريخية.

جذور تاريخية تسبق الدولة الحديثة
تعود البدايات المؤسسية للأوقاف الجعفرية في البحرين إلى عام 1927، حين قام القاضي السيد عدنان السيد محمد صالح الموسوي بحصر وتوثيق الأوقاف الشيعية فيما عُرف لاحقاً باسم «سجل السيد عدنان» [2]، وذلك بجهد أهلي مستقل بعيداً عن أي تدخل حكومي.
ويمثل هذا السجل، الذي تم توثيق غالبيته العظمى في عامي 1926 و1927، المرجع التاريخي والشرعي للأملاك الوقفية الشيعية. وتحمل هذه المرحلة أهمية خاصة داخل الوعي الشيعي، لأن الأوقاف الجعفرية لم تنشأ كمؤسسة رسمية تابعة للدولة، بل ككيان ديني واجتماعي هدفه حماية أملاك الطائفة وضمان صرف عوائدها وفق الشروط الشرعية التي حددها الواقفون.
ومن هنا ارتبطت الأوقاف الجعفرية بمفهوم «الولاية الشرعية»، حيث يُنظر إلى المتولي الشرعي باعتباره أميناً على الوقف أمام الله والواقفين، لا موظفاً حكومياً خاضعاً للسلطة التنفيذية. ولذلك يرى معارضو المرسوم أن نقل إدارة الأوقاف إلى مجلس موحد برئاسة وزير حكومي يمس جوهر الفلسفة الفقهية التي تأسست عليها الأوقاف الجعفرية منذ نشأتها.
مركزية القرار وتداعياته المالية
بموجب الهيكل الجديد، يتولى وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف رئاسة المجلس الموحد، فيما يشغل رئيس الأوقاف السنية السابق منصب النائب الأول، ورئيس الأوقاف الجعفرية السابق منصب النائب الثاني.
ويرى منتقدو القرار أن هذا التحول ينهي مرحلة الاستقلال الإداري النسبي التي كانت تتمتع بها الأوقاف الجعفرية، وينقل القرار الوقفي بصورة مباشرة إلى السلطة التنفيذية، بما يجعل إدارة الأوقاف خاضعة للمعايير السياسية والإدارية للدولة، بدلاً من المرجعيات الفقهية والاجتماعية الخاصة بكل مذهب.
في المقابل، تؤكد السلطات أن الهدف من المجلس الموحد يتمثل في تقليص البيروقراطية، وتوحيد السياسات الاستثمارية، وتعزيز الرقابة المالية والإدارية على الأصول الوقفية، إضافة إلى تطوير إدارة الموارد الوقفية وتحقيق قدر أكبر من الشفافية. كما يُطرح المشروع ضمن إطار «تعزيز الهوية الوطنية الموحدة» وتقليص الفوارق المؤسسية بين الطائفتين، مع توحيد الإشراف الرسمي على الشأن الديني.
ولا تقتصر التداعيات على الجانب الإداري فقط، بل تمتد إلى الجانب المالي للأوقاف الجعفرية، التي تُقدر إيراداتها السنوية بأكثر من تسعة ملايين دينار بحريني، أي ما يقارب 24 مليون دولار أمريكي.
وقد كشف تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية (2024-2025) أن إجمالي متأخرات الإيجارات المستحقة لإدارة الأوقاف الجعفرية بلغ نحو 15 مليون دينار بحريني [3]، ما أثار تساؤلات حول كفاءة الإدارة السابقة وضرورة تعزيز الرقابة.
ومع ذلك، يخشى معارضون أن يؤدي تحويل القرار الوقفي إلى سلطة حكومية مركزية إلى إعادة توجيه العوائد الوقفية أو استثمارها وفق اعتبارات سياسية أو اقتصادية للدولة، لا وفق المقاصد الشرعية الأصلية للوقف، وهو ما يعتبرونه مساساً بحرمة الوقف وطبيعته الدينية.
إشكالات شرعية وقانونية
من أبرز الاعتراضات المطروحة داخل الأوساط الشيعية أن القرار يتعارض، من الناحية الفقهية، مع طبيعة الوقف الجعفري وأحكامه الخاصة. ففي الفقه الجعفري يُعتبر الوقف عقداً شرعياً دائماً، لا يجوز تغيير شروطه أو نقل ولايته إلا ضمن الضوابط التي حددها الواقف والمرجعية الشرعية المختصة.
ولذلك يرى منتقدو القرار أن إخضاع الأوقاف الجعفرية لإدارة مركزية موحدة برئاسة وزير سياسي يمثل تجاوزاً لمبدأ «ولاية المتولي الشرعي»، الذي يشكل أساس إدارة الوقف الجعفري. كما تبرز مخاوف من أن يؤدي دمج الأوقاف السنية والجعفرية إلى خلط أوقاف ذات أحكام ومصارف شرعية مختلفة، بما قد يفضي إلى التصرف في الأموال الوقفية خارج الأغراض التي حددها الواقفون.
وعلى المستوى القانوني، يثير القرار تساؤلات تتعلق بمدى احترام الخصوصية المذهبية والحقوق التاريخية المرتبطة بإدارة الأوقاف الجعفرية، خصوصاً أن هذه المؤسسة تأسست تاريخياً بجهد أهلي مستقل قبل نشوء الدولة الحديثة.
ويستند المعترضون على دمج الأوقاف إلى مبادئ راسخة في الفقه الجعفري، أبرزها قاعدة «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها»، والتي تؤكد أن الوقف يخضع لشروط الواقف والولاية الشرعية الخاصة به، لا للسلطة التنفيذية للدولة.
كما تنص كتب الفقه الإمامي على أن الواقف يملك حق تعيين المتولي الشرعي، وأن الوقف بعد تحققه يخرج عن الملكية العامة والخاصة ليصبح مالاً موقوفاً لا يجوز التصرف فيه خارج المقاصد التي حددها الواقفون.
ويرى منتقدو القرار أن إخضاع الأوقاف الجعفرية لإدارة مركزية موحدة برئاسة وزير حكومي يتعارض مع هذه المبادئ الفقهية التاريخية، ويحوّل الوقف من مؤسسة دينية مستقلة إلى مرفق إداري خاضع لاعتبارات الدولة السياسية والتنظيمية.
وتأتي هذه التطورات في ظل فجوة متزايدة خلال السنوات الأخيرة بين إدارة الأوقاف الجعفرية المعينة حكومياً وبين القاعدة الشعبية والعلماء داخل الطائفة الشيعية.
وقد تصاعدت هذه الفجوة منذ أحداث 2011 وما تلاها من هدم عدد من المساجد الشيعية، حيث وثق تقرير بسيوني هدم 38 مسجداً شيعياً [4] [5]، من بينها مسجد البربغي التاريخي الذي يعود عمره لأكثر من 450 عاماً [6].
واتُهمت إدارة الأوقاف الجعفرية بالتزام الصمت أو تبرير عمليات الهدم، وهو ما اعتبره كثيرون تفريطاً في الأمانة الوقفية وخيانة للمقدسات الدينية [7].
كما تواجه الإدارة انتقادات متكررة تتعلق بالتضييق على الخطباء والمآتم ومراقبة المحتوى الديني، خصوصاً خلال مواسم عاشوراء، بما يتوافق مع الرؤية الأمنية للدولة بدلاً من حماية حرية ممارسة الشعائر الدينية.
وتتكرر كذلك اتهامات تتعلق بتحويل أراضٍ وقفية مسجلة ضمن «سجل السيد عدنان» إلى مشاريع حكومية أو ملكيات خاصة دون تعويض شرعي عادل، الأمر الذي عزز مشاعر الغضب والاستهداف داخل الطائفة. [8] [9]
أبعاد سياسية تتجاوز ملف الأوقاف
في القراءة السياسية الأوسع، يرى مراقبون أن توحيد الأوقاف يندرج ضمن مشروع لإعادة هندسة المجال الديني في البحرين، عبر تقليص الهياكل التقليدية التي كانت تمنح الطوائف هامشاً من الاستقلالية، واستبدالها بنموذج أكثر مركزية يخضع لإدارة الدولة المباشرة.
كما يُنظر إلى القرار باعتباره جزءاً من سياسة تهدف إلى إحكام السيطرة على المؤسسات الدينية والاجتماعية التي لعبت تاريخياً دوراً في الحراك السياسي والاجتماعي، إلى جانب تجفيف أي مصادر تمويل مستقلة قد تدعم هذا الحراك.
وفي الجانب الاقتصادي، يربط بعض المراقبين القرار بمحاولات إدخال الأصول الوقفية بصورة أكبر في الدورة الاقتصادية الرسمية للدولة، وربما توجيه جزء من عوائدها لخدمة مشاريع عامة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بالمصارف الشرعية التي حددها الواقفون.
وبالنسبة إلى قطاع واسع من الشيعة في البحرين، يمثل توحيد الأوقاف منعطفاً بالغ الحساسية، لأنه يأتي بعد سنوات من حل الجمعيات السياسية والمؤسسات الدينية المستقلة، مثل جمعية الوفاق الوطني الإسلامية والمجلس الإسلامي العلمائي.
وفي هذا السياق، كانت الأوقاف الجعفرية تُعتبر آخر مؤسسة رسمية تعبر عن الخصوصية الشيعية وتحظى بهامش محدود من الاستقلالية، ولذلك يُنظر إلى دمجها باعتباره نهاية لهذا الهامش.
كما يخشى كثيرون من أن تنعكس الإدارة الموحدة على الشعائر الحسينية والمواكب الدينية، عبر فرض قيود تنظيمية أكثر صرامة تحول هذه المناسبات من شأن أهلي تديره الطائفة إلى نشاط خاضع للرقابة الحكومية المباشرة.
الخلاصة
لا يبدو مرسوم توحيد الأوقاف في البحرين مجرد إجراء إداري يهدف إلى التنظيم والشفافية، بل يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية.
فبينما تراه السلطات خطوة نحو التحديث والتوحيد الإداري وتعزيز الرقابة، ينظر إليه منتقدوه باعتباره انتقالاً من الإشراف إلى السيطرة المباشرة على المجال الديني، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية ومذهبية واسعة.
وبالنسبة إلى قطاع واسع من الشيعة في البحرين، فإن القرار يمثل مساساً بما تبقى من استقلالية مذهبية وفقهية، ويعزز المخاوف من إخضاع الأوقاف والشعائر الدينية لمركزية الدولة وهيمنتها على المجال الديني، الأمر الذي قد يزيد من تعقيد العلاقة بين السلطة والمكون الشيعي في البلاد.
المراجع:
(1) صحيفة الأيام، الملك يصدر أمرًا ملكيًا بتشكيل مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية
العدد 13564 الخميس 28 مايو 2026 الموافق 11 ذو الحجة 1447
https://www.alayam.com/alayam/local/1134181/News.html
(2) مؤسسة دار الحكمة، حكاية الهوية البحرانية... الأوقاف الشيعية وسجل سيد عدنان:
https://www.al-hekma.org/?p=16208
(3) صحيفة الأيام، ديوان الرقابة: 15 مليون دينار متأخرات لـ الجعفرية:
https://www.alayam.com/alayam/local/1115432/News.html
(4) صحيفة الوسط البحرينية، 9 مساجد مهدَّمة أُعيد بناؤها... و21 أخرى قيد التنفيذ:
https://www.alwasatnews.com/news/831028.html
(5) صحيفة الوسط البحرينية، السلمان: هدم 38 مسجداً في السلامة الوطنية غير قانوني بشهادة تقرير بسيوني
العدد 4369 - السبت 23 أغسطس 2014م الموافق 27 شوال 1435ه
https://www.alwasatnews.com/news/914345.html
(6) ســنــوات الــجــريــش، حجر نقوش كرانة عمرها (480 عام) مسجدا بربغي ورستان
https://www.jasblog.com/wp/?p=6220
(7) صحيفة الوسط البحرينية، الأوقاف الجعفرية وفخ مسجد البربغي، قاسم حسين:
https://www.alwasatnews.com/news/838991.html
(8) صحيفة العهد الإخباري، أراضي الوقف الجعفري في البحرين تُصادر بغطاءٍ من السلطة:
https://alahednews.news/article.php?id=53437&cid=116&st
(9) مقال حسين مدن، الأوقاف الجعفرية في البحرين: ملك عام موقوف أم أراضٍ مباحة للتعدي؟:
https://www.instagram.com/p/DUs0QevjIDN/
- 2026-05-28التماهي مع الجلّاد.. ظاهرةُ السقوط الأخلاقي لأدواتٍ رخيصة بيد الحُكم
- 2026-05-26الدولة تستكمل حربها على الشيعة: الأوقاف اليوم وعاشوراء غدًا
- 2026-05-23البحرين في ظل الحرب: كيف تحوّلت مواجهات الإقليم إلى موجة اعتقالات واسعة تستهدف الشيعة
- 2026-05-21مواكب البحرين تتحدّى الترهيب.. لا عزاء تحت وصاية أمنية
- 2026-05-19في سياق الحرب على الشيعة.. السطات تصدر قرارًا بحل «جمعية التوعية الإسلامية»