»

التماهي مع الجلّاد.. ظاهرةُ السقوط الأخلاقي لأدواتٍ رخيصة بيد الحُكم

2026-05-28 - 7:44 م

مرآة البحرين: في البحرين، لا يكفي أحيانًا أن تكون مُواليًا للسلطة كي تنجو من بطشها، بل يجب عليكَ أن تتحوّل إلى نسخةٍ أكثر تطرّفًا منها في الدفاع عنها. أن تكون ملكيًا أكثر من الملك، تُبرّر كلّ سياساته، وتُصفّق لكلّ إجراءاته، ولو كنتَ بالأمس القريب أحد ضحاياه أو ممّن اكتوَوا بتهميشه.

هي صورةٌ عن واقع بات نافرًا وفاقعًا في البحرين أكثر من أيّ وقت مضى. المسألة بكلّ بساطة وبأسلوب مباشر هناك من تحوّل إلى أداة في حرب السلطة على فئة من الشعب في هذه المرحلة الحساسة التي تعيشها البلاد. لم يتحوّل إلى مُوالٍ وفقط، بل إلى عارضٍ يوميّ يبحث عن فكرة يبالغ فيها أثناء تقديمه فروض الطاعة، وكأنه في مسابقة مفتوحة لإثبات الإخلاص ولو على حساب الكرامة والذاكرة والحقائق.

النماذج حيّة ولا نتحدث عن شخصيات وهمية أو مُختلَقة. في البحرين، لم تعد المشكلة مًقتصرة على وجود موالين تقليديين للنظام، فهذا أمرٌ موجود في كلّ الدول والأنظمة. المشكلة في ظاهرة أولئك الذين كانوا يومًا جزءًا من خطاب الاعتراض، أو على الأقل ممّن تضرّروا من السياسات الرسمية، ثمّ انقلبوا فجأة إلى مدافعين مُتحمّسين عن السلطة، يُزايدون أحيانًا على إعلامها الرسمي نفسه، ويقدّمون أنفسهم بوصفهم "العقلانيين" الذين اكتشفوا متأخرين "عبثية" المعارضة وعدم جدوى المواجهة.

إذا أردنا تحليل هذه الظاهرة على الصعيد النفسي لفهم الدوافع فحتمًا أكثر من ترجيحٍ يمكن احتماله: قد يكون خوف، أو رغبة في النجاة، أو طمعًا في عطاء، لكنّ الأهمّ المصلحة الشخصية، وهذا الدافع بحدّ ذاته يُفسّر إعادة تموضع هذه الأسماء. أسماءٌ لا يمكن ويكاد يكون مستحيلًا فهم ما تقترفه اليوم "على محمل حسن" أو ربّما على أنه تقية. ليس الأمر كذلك حتمًا، ولأنّنا لسنا أيضًا أمام صحواتٍ متأخرة أو مراجعة فكرية لخيارات أو مواقف اتُخذت سابقًا، يمكن القول إن هؤلاء، ولعلّ أكثر الأسماء تجسيدًا لهذه الظاهرة جعفر سلمان مؤخرًا وضياء الموسوي سابقًا، الانتقال من دور الضحية إلى الجلّاد أو مشاركة الجلّاد في جرائمه هو أيضًا مرضٌ نفسي خطير، وعلى الصعيد الوطني وباء.

وفي تفصيل الظاهرة ومؤشراتها، يتبيّن أن هذه الأدوات تعمد على الرغم من تحكّم الدولة بها، إلى الذهاب إلى ما هو أبعد: مطالبة الناس بألّا توصف بالخونة والمتواطئين، فتحمل كذبًا شعارات التعايش والديمقراطية المزعومة في البحرين، تُسوّق لمعايير مُختفية أصلًا من قاموس الحكم،وتتباكى على حرية الرأي التي تعطيها لنفسها وتسلبها من الناس.

الأمر لا يقف عند حدود واضحة، أن يطبّلوا للحكم وسياساته الظالمة بحقّ الكثير من المواطنين وعلماء الدين البارزين، بل يعتدون على كرامات الناس، يسخّفون معاناتهم ومطالبهم، ويجلدونهم كقطعان يمشون وراء قيادات ستقودهم إلى الهاوية. هذا الأسلوب الرخيص في التعبير السياسي إزاء قضايا بائنة الاضطهاد، تؤكد فقدان هؤلاء لأيّة أخلاقيات في التعاطي وفي موازنة الأمور ولا سيّما في الأزمات. هؤلاء لم ينأوا بأنفسهم عن كلّ الإجراءات والتنكيلات التي تتخذها الدولة في الفترة الأخيرة وتُصعّد من خلالها الحرب على شيعة البلاد تحت عناوين عقائدية دينية بحتة، بل يسعون إلى تكريس حالة من الإحباط بين الناس وإشاعة السكوت عن الظلم كشرط للبقاء على قيد الحياة في البلد، وكذلك لنشر قيم الجُبن والخنوع، حيث لا وجود لأيّة مقاومة لأيّ سياسة قاهرة ومُجحفة، حيث لا جهاد حتى بالكلمة، حيث يتحوّل الإنسان إلى "روبو" تُبرمجه الدولة ليكون خاليًا من أيّ أفكار وبلا ضمير، لا يفرّق بين الحقّ والباطل، ينسلخ تمامًا عن القيم الإنسانية الفطرية للعيش في أيّة دولة.

هذه الظاهرة اليوم تؤكد صوابية المعارضة طيلة السنوات الماضية، وجدوى رفع الصوت ورفض كلّ ما تفرضه السلطة الأمنية والسياسية بالقوة بعيدًا عن أيّ منطق أو مشاركة حقيقية في القرار. شعارات الإصلاح لا يمكن أن تكون عديمة الفائدة بعد هذا العمر من النضال وإعلاء الصوت، والأهمّ أن من هو مُقتنع بالإصلاح كطريق لبناء الدولة العادلة لا يتغيّر مهما زادت الضغوطات والمصاعب.

تجميل أفعال هؤلاء الخونة ورمي تصرّفاتهم و"تكويعاتهم" على فئة من الشعب أو الشعب بأكمله لحمله على الاستسلام للفساد والمفسدين لا ينفع. هؤلاء عاجزون عن التأثير بأصحاب المبادئ الوطنية والعقائد المقدّسة مهما كثّفوا من حضورهم على المنصّات والصفحات والشاشات وفي التغريدات واللقاءات إلى أعلى الهرم، بشكل مباشر أو بأسماء وهمية حتى. يُقال إن الوباء مُعدٍ ويتفشّى سريعًا. أمامنا هنا حالة مشخّصة لانفصام الحُكم عن الأرض وعن حياة الشعب، وهذا الانفصام تسلّل واستوطن في عقل هؤلاء الخونة، فأضحوا هم كذلك مُنفصمين عن الواقع والمبادئ.