كيف تشرح لحمارك فكرة ولاية الفقيه؟

محمد العصفور - 2026-05-26 - 11:15 م

مرآة البحرين: عندما عدتُ له بعد سنوات طويلة قضيتها في السجن، تذكرني سريعاً، ثم استقبلني بنهيق كما لو كان يعزف أوركسترا ترحيب بعد كل هذه الأعوام. تعانقنا طويلاً قبل أن أحدّثه عن حظي العاثر الذي وضعني في هذه اللحظة التاريخية من الاستحمار الوطني الرشيد.

قلتُ ذلك ثم انتبهت لنظرات حماري الاستنكارية، وأذناه اللتان ارتفعتا تنديداً بكلامي، فتداركتُ ذلك باعتذارٍ شديد على هذه الإهانة غير المقصودة: أنت أعلم يا حماري العزيز بأنّي لا أحمل هذه الأفكار العنصرية تجاهكم، لكن هذا اللفظ يجري على ألسنة الناس كما لو كانوا يعدوّن أنفسهم نوعاً أرقى من الحمير.

قال حماري بينما هممنا بالسير معاً في حقلنا الكرّاني الجميل: نحن لسنا أغبياء إلى هذا الحد، وقد أثبتت الأيام أن بني البشر فيهم من الحمقى وأصحاب المآرب الدونية والمتلونين والمنافقين ما يفوق عالم الحيوان!
صدقت يا حماري، وكأنك قد أصبت ما أردت قوله، بل أزيدك في ذلك أن هؤلاء أضل من الحيوانات، أرأيت من ترك عقله أهو أضل من الحيوان أم أرقى منه؟!
تنحنح حماري تحذيراً لي بأن لا أعيد تكرار إهانتي للحمير من بني جلدته، ثم قال: دعنا من هذا، ما الذي يثير همومك إلى هذا الحد؟!

قلتُ كمن فقد التسلسل في حديثه بينما تترقرق خيوط الأصيل من سعف نخيل الحقل المتدلية فتضفي جوّاً ساحراً على جلستنا التي عقدناها أخيراً تحت ظلّ شجرة توت عمرها أكثر من 300 عام: أتعرف "ولاية الفقيه" يا حماري العزيز؟ ثم رميت إلى جانبه حبّة لوز مكتنزة قطفتها للتو، وأمرته بالجلوس.

حماري الحبيب.. يشن مجموعة من الجهلة وأصحاب المآرب ومرتزقة السلطة حرباً تشويهية على فكرة "ولاية الفقيه"، وكأن أساس الدمار في بلدنا وفي المنطقة هو من وراء هذه الفكرة، هذا ما يصوّرونه، لكن أتعلم يا حماري الذي اشتقته أعواماً طويلة، لقد عادت بي هذه الحرب إلى أثينا، هناك حيث ظهرت أعرق الفلسفات السياسية قبل أربعمئة عام من الميلاد.

هل تعرف أفلاطون يا حماري العزيز؟
دعني أقول لك أمراً قبل ذلك، لقد شغل سؤال "من يستحق أن يكون على رأس الحكم" البشرية منذ فجر التاريخ، وقد جاءت الفلسفات السياسية والأديان والمذاهب والمشارب الفكرية لتجيب على هذا السؤال.
انظر لحالنا يا حماري، نحن نعيش في ممالك خليجية يحكمها ملوك رشّحهم قدر السلالة إلى أن يكونوا ملوكاً علينا، ومن الحظ التاريخي الذي قلّما يحدث، أن تؤدّي هذه الصدفة البيولوجية إلى مجيء ملكٍ كفوء أو عادل أو طيّب مع شعبه.
أرأيت يا حماري كم نحن واقعون في ورطة؟ نحن لا نملك الخيار الديمقراطي (رأي الأكثرية) لإيصال الشخص الذي نراه كفوءً لسدّة الحكم، ونُجرَّم عندما نؤمن بنظريات الأديان أو الفلاسفة العظماء، بل وتطالنا الطوباوية من فوقنا ومن تحتنا، وكأننا شططنا عن الركب الإنساني عندما حلم بيوتوبيا المدينة الفاضلة!

دعنا نعود إلى أفلاطون، كانت فلسفة أفلاطون تنطلق من خلفيات هذا الصراع الأبدي، فقد كفر بشرعية السلطة التي تأتي عن طريق الانتخاب والملكية وجحيم ظلمهما المتصاعد لما وجده من سوء الأحوال السياسية التي عايشها وآلت لإعدام أستاذه سقراط، ثم شقّ طريق بناء فلسفته حول الدولة على أساس "حكم الفلاسفة"، أي أنّ معيار تقلّد كرسي الحكم هو المعرفة والحكمة والعدالة وليس الأكثرية الشعبية التي تأتي عن طريق صناديق الاقتراع، أو الملكية التي تفرض نفسها من خلال السيطرة والقوة والقهر.

التقطتُ في هذه الأثناء غصناً يبّسته شمس جزيرة البحرين الحارقة، ثم رسمت خطوطاً على التراب:
هنا بالضبط يا حماري العزيز، تتقاطع "ولاية الفقيه" مع الرؤية الأفلاطونية، هذا بالضبط ما جعل أبو نصر الفارابي يوفّق بين النظرتين، عندما مَثَّل المواصفات الأفلاطونية للحاكم بالنبي أو الإمام من بعده.

ألا تلاحظ يا حماري.. الأساس الذي بُنيت عليه "ولاية الفقيه" هو ذاته الذي انطلقت منه فكرة "المدينة الفاضلة"، إنّهما "العلم" و"العدالة" اللتان أرّقتا كامل المنظومة الاعتقادية والفكرية للأديان السماوية بما فيها الإسلام الخاتم، وحولهما دارت الجدليات الكبيرة في التاريخ الفلسفي والسياسي على مدار الوجود البشري.

خرج الحمار عن صمته متسائلاً: وما الضرورة أن يكون الحاكم عالماً وعادلاً؟
وأنا أهمّ في إجابة حماري، مددتُ يدي لأقطف لوزة بحرانية اصفرّ لونها وبدت في كامل فتنتها الوجودية العظمى.. ثم قلت:
هو سؤال مهم يا صديقي.. لكن ألا ترى حال المشهد الدولي وهو يتداعى إلى الحضيض، يترك إنسانيته وراء ظهره ويتفرّج على أعظم مذبحة تجري أمامه بكل برود في قطاع غزة؟!
ألا يشدّك هذا التداعي الإنساني الذي وصلنا إليه، بحيث صرنا نستنكر على حزب الله إسناد غزة، وأن نتواطئ مع فرجة من يحكمون دول العالم!!

ثم ألا ترى من يحكم أمريكا؟ الدولة الكبرى التي يحكمها رئيس يأتي من بيئة رجال الأعمال، وقح مغرور غبي يعتدي على الدول ويسرق خيراتها علناً.
دعني أقول لك شيئاً، ليست العدالة والعلم وحدهما ما جعل "أفلاطون" يؤمن بصوابية فكرته. لقد بنى أفلاطون العظيم مدينته الفاضلة على أساس القابليات البشرية، فمن يفكرون بحكمة واعتدال هم في أعلى الهرم، والأقوياء يشكلون جنود الدولة وجيشها الحامي، أما التجار والحرفيين والمزارعين فهم المسؤولون عن الإنتاج الاقتصادي.
لاحظ أن كل طبقة من هذه الطبقات إنما شُكّلت على أساس الطبيعة البشرية، فالفيلسوف تحكمه الحكمة والعقل، والجندي تحكمه الشجاعة، أما التاجر فتحكمه الرغبة والمنفعة والمال.
أرأيت لماذا لا يجب أن يكون "دونالد ترامب" رئيساً للولايات المتحدة؟ ذلك أنّه حوّل الدولة وسياساتها الدولية إلى سوق كبيرة تُقاس فيها قيمة كلّ شيء بالربح والخسارة، وهذا ما خشيه "أفلاطون" قبل 25 قرناً من الزمان، فإذا كان المال هو غاية الحاكم ومدار سياساته فمن سيحمي العدالة؟ أترى حجم الكارثة؟ ما بالك بالملك الذي لا يحكمه دستور ولا تقوده سوى شهواته للاستحواذ على مقدّرات البلاد والعباد؟

كنت أقول هذا بينما فتح حماري فاهه حائراً من تداعيات نوع النظام السياسي أيّاً كان على المشهد برمّته.. أكانت هذه فكرة أفلاطون فعلاً؟

في مشهدٍ كهذا، يحاضر لنا الجهلة عن "ولاية الفقيه" دون أن يقرأوا كتاباً واحداً عنها، دون أن يفهموا خلفيات الصراع، دون أن يبرروا لنا لماذا هذه الهجمة أصلاً، إنّهم يستدلّون بكتاب "الجمهورية الإسلامية" ذي المائة وخمسين صفحة التي يعجزون عن قراءتها، بحسب ما يقترح لهم برنامج الذكاء الاصطناعي الذي يستخدمونه في كتابة ترّهاتهم!
ألا تراهم يا صديقي الوفي يتحدثون عن الإمام الخميني كشيطان جاء بفريةٍ من جيبه دون أن يراجعوا الفكر الشيعي في تاريخه الممتد؟! ثم لماذا يستنكرون أن يكون الفقيه العالم حاكماً بينما يقبلون أن يكون صاحب الجلالة السلالية العاري من كل علم وكفاءة حاكماً عليهم؟! ألم يعلموا أن الحكم الإسلامي قد اشترط العلم والعدالة في الحاكم بينما ملوكهم لم يُشترط فيهم سوى أن يكونوا من صلب آبائهم الذين قرروا في ليلةٍ ما أن يقذفوا ماء ظهورهم العفن على كراسي الحكم؟!

كنت مُسهباً في إطلاق التساؤلات عندما قاطعني مؤذن الحيّ وهو ينادي لصلاة المغرب بصوته الشجيّ.. حينها استأذنت حماري على أمل أن نعود لإكمال الحوار الذي بدأناه معاً، دون أن نرجو من أولئك الجهلة أن تنفتح بصيرتهم على أمر، ما دام الحمير أجلّ منهم جنساً ونوعاً.