أيها السادة: لا يُحاكم الفقه بقانون العقوبات
سيد عباس شبّر الموسوي - 2026-05-22 - 12:18 ص
عندما تعلن سلطة ما، في أي زمان، تحت أي ذريعة، أنها تريد تجريم فكرة كـ"ولاية الفقيه" بحجة كونها نظرية سياسية "دخيلة"، فأنت أمام لحظة عبثية تستحق أن تُقرأ بثلاثة ألسنة: لسان الفقيه الذي يفكر، ولسان السياسي الذي يحلل، ولسان الساخر الذي يضحك حتى لا يبكي، لأن تجريم عقيدة سياسية متكاملة، لها جذورها في نصوص دينية وآراء فقهية تمتد لأكثر من ألف عام، ليس فقط خطأ قانونياً وفكرياً، بل هو كوميديا سوداء تصلح لتكون مشهداً في مسرحية "الدولة المدنية" التي يراد فرضها بمنطق "إما أن تكون مثلنا أو تذهب إلى السجن".
لنبدأ بالمعالجة الفكرية التي لا مناص منها: "ولاية الفقيه" في أصولها ليست مؤامرة على أحد، بل هي نظرية من نظريات الحكم في الفقه الإمامي، تقول باختصار بأن الفقيه الجامع للشرائط (العدالة، العلم، الكفاءة) يمكنه أن يتولى شؤون الحكم نيابة عن الإمام المعصوم في زمن الغيبة.
هذه النظرية لها أدلتها من القرآن والسنة، ولها تاريخ طويل من البحث داخل الحوزات، ولها مؤيدون ومعارضون حتى داخل المذهب الواحد. فتجريمها أشبه بتجريم "ولاية المتغلّب" عند إخوتنا في المدرسة السنية، والتي تقرّر أن من استولى على الحكم بالقوة والغلبة يصبح حاكماً شرعياً تجب طاعته.
لسنا فقط أمام تجريم فكرة، بل سلبٌ لحق الناس في الاجتهاد والاختلاف. والمشكلة الأكبر أن من يسعى لتجريم ولاية الفقيه غالباً ما يكون متبنياً بصمت لنظرية أخرى، ونعني "ولاية الوزير" أو "ولاية الرئيس" أو "ولاية الملك المطلق"، وكأن هذه الولاية "طبيعية" وتلك "شاذة".
والواقع أن ولاية الوزير، مثلاً، إنما هي ولاية مفوَّضة من حاكم أعلى، ولا تملك أي شرعية بذاتها، وغالباً ما تفتقد لشرط "العدل" الذي تشترطه ولاية الفقيه، فلماذا لا تُجرَّم ولاية الوزير الظالم التي تسمح له بسجن من يشاء لمجرد معارضته، حتى وإن كانوا من أخلص العلماء، وتسمح له بالاستحواذ على المال العام تحت عنوان "التفويض"؟
إن مشروع السلطة اليوم يسعى إلى فرض نموذج واحد للحكم، نموذجٍ لا يشترط العدل، ولا يخضع للمساءلة، ولا يسمح لأي مرجعية مستقلة أن تقول: "لا".
سياسيًا، يمكن تفنيد محاولات تجريم الاعتقاد بفكرة ولاية الفقيه من دون كبير جهد، فأي دستور يكفل حرية الضمير والمعتقد، بما فيهم دستور المنحة، حيث تنص المادة 22 منه على أن "حرية الضمير مطلقة، وتكفل الدولة حرمة أماكن العبادة وحرية القيام بشعائر الأديان". والمادة 23 صريحة في أن "حرية الرأي والتعبير مكفولة". فإذا كانت ولاية الفقيه رأياً وعقيدة، فكيف يمكن تجريمها دون انتهاك صريح للدستور؟ إلا إذا كنا نتعامل على قاعدة "ما وافق هواهم شرع، وما خالفهم منع".
هذا إضافة للمواثيق الدولية التي صادقت عليها البحرين، كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتي تحظر التمييز على أساس الدين (المادة 2)، وتكفل حرية الفكر والضمير (المادة 18)، فهل هناك تمييز أكبر من تجريم عقيدة دينية كاملة باسم "الأمن القومي" أو "وحدة الصف"؟
أخطر ما في الأمر أن السلطة لا تكتفي بمنع نشر الفكرة، بل تسعى لتحويلها إلى جريمة يعاقب عليها القانون، كما هو الحال مع السرقة أو القتل، ما يعني أن المواطن الشيعي أصبح مجرماً بمجرد اعتقاده بخصوصيات مذهبه، وهذا هو عين الاضطهاد الديني الذي تزعم هذه السلطات أنها تحاربه.
اليوم، يجدر بمستشاري السلطة اقتراح توسيع دائرة التجريم لتشمل كل ما قد يزعج العقل السياسي الرسمي. لنُجرِم الأذان لأنه يعلن "الله أكبر" من أي سلطة أرضية، ما يخل بالولاء المطلق للدولة. ولنُجرِم صلاة الجمعة لأنها تجمع الناس خلف إمام غير حاكم البلاد! فنحن أمام ثقافة خوف من أي بديل ديني.
ما يريده أولئك الساعون لتجريم الاعتقاد بولاية الفقيه إنما هو فرض الوصاية على الدين من قبل الدولة بالقوة، كبديل عن النموذج المبني على أساس فقهي وأصولي، والذي عكفت عليه علماء الإمامية على مدى قرون، وهذا هو عين الاعتداء على الخصوصيات المذهبية.
أما لو توقّع أحدٌ قبل عام 1979م أن تُضاف "ولاية الفقيه" يومًا إلى مواد قانون العقوبات في بلدٍ عربيٍّ مسلم، لكان توقّعه مثارًا للسخرية والتندّر.