مع البحرينيين في وجعهم اليومي
لطيفة الحسيني - 2026-05-14 - 12:23 م
مرآة البحرين: في خضمّ المشهد المتأزّم اليوم في البحرين والخانق والقاهر، سألتُ أحد المواطنين البحرينيين: ما هو الأصعب بالنسبة لكَ، أن تُمسي بلا جنسية أو أن تُسجن مدّة طويلة داخل بلدك؟ لم أحصل على إجابة حاسمة، ربّما لأن الخياريْن قاسيان. أسمع من مواطن بحريني آخر يقول: شعبنا أصبح عبارةً إمّا عن مُعتقل، أو مهجّر بلا جنسية، أو شهيد!
في حالة البحرين، لا تحتاج لأن تحمل الجنسية، وليس مطلوبًا أن تكون مواطنًا أصيلًا لتُلامس وجع الجميع وتنبض بهمومهم. الكلّ مُراقب، مُهدّد، مُلاحق، مُحاصر، مُقيّد، في المحصّلة مُستهدف. لم يعْهد هؤلاء حالة خانقة كالتي يعيشونها اليوم. دولةٌ تُصرّ على التحكّم حتى بتفكيرهم وعقائدهم.
الوضع الصعب يتجلّى في يوميات هؤلاء. الكلّ يتعرّض لإرهابٍ متواصل. أجهزة أمن تتحيّن الفرص للانقضاض على أيّ مواطن شكّل إزعاجًا للدولة. تكاد البحرين تكون أكثر البلدان استدعاءً لمواطنيها وسؤالهم: لماذا كتبتَ ذلك؟ لماذا قلتَ هذا؟ ولماذا انتقدتَ تلك؟
اليوم لا يُسمع عن تغليظ للعقوبات إلّا في البحرين. لا يُسمع عن سجنٍ مؤبّد أو إسقاط جنسية على نحوٍ فاقع إلّا في البحرين. لا يُسمع عن نشاطٍ كثيف لجهة رسمية تُعنى بالجرائم الالكترونية إلّا في البحرين. لا نسمع عن حالة انصياعٍ كامل للحاكم وتقديسه وتعظيمه إلّا في البحرين. لا يُسمع عن لون واحد في وسائل الإعلام إلّا في البحرين. لا يُسمع عن عناوين صحافية منسوخة ومُتشابهة إلّا في البحرين. لا يُسمع عن تجريد من هوية وطنية متجذّرة لمئات السنين إلّا في البحرين.
كلّ هذا بسبب ماذا؟ لأنّ فئة وازنة من الشعب اختارت التمسّك بعقيدتها الإسلامية التي أصبحت اليوم خطًا أحمر بالنسبة للدولة البوليسية. هذه الفئة التي استقطبت بإخلاصها وثباتها على ولاية وتعاليم أهل البيت (ع) ومدرسة الحسين بن علي (ع) كلّ المسلمين العرب ولاسيّما الإثنا عشريين، وكانت نموذجًا حقيقيًا للتعرّف على الإيمان الفطري بالدين المحمدي الأصيل، ومِصداقًا حيًّا لجهاد التبيين في زمن السلاطين الجائرة.
اليوم، ثمّة وطنٌ كاملٌ يعيش على أعصابه. الناس لا تخشى فقط الاعتقال، بل تخشى أن تتحوّل إلى أرقام جديدة في نشرات الأحكام القاسية، أو إلى أسماء تُتداول في أخبار المداهمات والمحاكمات السريعة بسبب تهمٍ لا تستحق أن تكون تهمًا. في كلّ يوم، تكبر مساحة القلق، ويشعر المواطن أنّه محاصر بين الصمت الذي يجرحه، والكلمة التي قد تُكلّفه عُمرًا من المُلاحقة.
في البلدات والقرى، ثمّة وجوهٌ تٌغيّرها الأحزان بصمت. أمٌّ تنتظر اتصالًا من ابنها المعتقل، وأبٌ يُخفي دموعه كي لا تنهار العائلة، وأطفالٌ يكبرون على صورة الغائبين خلف القضبان. هذه ليست حكايات فردية معزولة، بل مشهد جماعي لوطنٍ يتعب بصمت.
الأشدّ إيلامًا ليس فقط في الاعتقالات نفسها، بل في ذلك الإحساس العام الذي يصل لكلّ مُواكب لأخبار البحرين بأنّ العدالة لم تعد ملاذًا آمنًا للناس. حين تُصبح الأحكام صادمة في قسوتها، يشعر المواطن أنّه مكشوف أمام الخوف، وأنّ مصيره قد يتغيّر بكلمة أو موقف أو حتى شُبهة، وهنا حتمًا تفقد المجتمعات شعورها بالأمان.
يُقال إن الأوطان لا تُحمى بالخوف وحده، ولا تستقرّ بالملاحقات المفتوحة، بل تُحمى بالعدالة التي يشعر الناس أنّها تُنصفهم جميعًا، وبالمساحة التي تسمح للمواطن أن يتنفّس دون أن يرتجف من الغد. وهذه هي البحرين اليوم على هذه الصورة وهذا الواقع. الهاجس الأمني دائم والدولة تستعرض مشاريع التطهير في البلد مما تسميه "أتباع ولاية الفقيه".
تحتاج البحرين إلى اللين وليس إلى القسوة، بل إلى لحظة إنصاف تُداوي هذا التعب المتراكم في قلوب أهلها. تحتاج إلى أن يشعر الناس أنّهم أبناء وطن من الدرجة الأولى، لا ينتظرهم طائفيون يُبغضونهم، لا أن يكونوا مشاريع اتهام دائمة. الشعوب قد تصبر طويلًا على الضيق، لكنّها لا تنسى أبدًا شعورها بالخذلان حين يتحوّل الخوف إلى أسلوب حياة.