نظام البحرين يشن حربًا على الشيعة.. قراءة في أدواته

حسين كاظم - 2026-05-10 - 4:53 م

مرآة البحرين: اعتقالات بالجملة لعلماء الدين في البحرين بدأت خلال الحرب الأخيرة واشتدت فجر أمس السبت التاسع من مايو، طالت أكثر من أربعين من أساتدة الحوزة العلمية وعلماء دين لهم دور بارز في الإصلاح الاجتماعي والإرشاد الديني.
حملة تحكي عن الأسباب التي لا تقال في محاضر النيابة العامة، فالدافع الحقيقي وراء هذه الإجراءات المسعورة هو شعور أنظمة الحكم الخليجية بمشكلة وجودية، برزت بعد انهيار نظرية الحماية الأمريكية في المنطقة، ما أدى لتفريغ هذه الشحنات السلبية المصيرية في شخصيات لا علاقة لهم بأي تهم تلصق بهم، في استغلال للظرف الراهن لتطبيق مخططات سابقة تستهدف الوجود الشيعي في البلاد.

قبل الضربة الأمنية، أقدم النظام على مجزرة جنسيات تمثلت بإعلانه سحب جنسية 69 مواطناً والبدء بترحيلهم من البلاد، في استهداف بشع ييدو بأنه لن يقف عند نمط واحد، بهدف للتنفيس عن الفراغ الاستراتيجي الذي أصاب أنظمة الحكم بالخليج، بعد انكشاف مظلته الأمنية والعسكرية.

قناة الـ CNN بثت تقريراً قبل أيام حكى عن تضرر 16 قاعدة أمريكية في الخليج بأضرار أخرجتها عن الخدمة، إلى جانب عشرات المنشآت العسكرية كالمخازن ومباني لوجستية متنوعة تدعم المجهود العسكري والاستخباراتي الأمريكي في المنطقة.

من نافلة القول أن من أهم تلك القواعد المدمرة الأسطول الخامس في منطقة الجفير في البحرين، والمجهزة برادارت الإنذار المبكر، والتي عملت كإحدى طبقات الدفاع عن إسرائيل في الحربين الأخيرتين على الجمهورية الإسلامية.

وزارة الداخلية البحرينية قالت في بيان رسمي أن الاعتقالات الأخيرة جاءت على خلفية ما أسمته "كشف تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني وفكر ولاية الفقيه"، مضيفة أنه تم "القبض على 41 شخصاً وجاري استكمال الإجراءات القانونية بحقهم".
الإعلان استخدم ذات العناوين التي سئمت بيئة المعارضة من تكرارها منذ أحداث عام 2011، فإلصاق تهم التخابر مع الحرس الثوري الإيراني شمل عشرات الخلايا المزعومة، لمجرد اشتراك المعتقلين السياسيين في المذهب مع إيران، لكن "الداخلية" أضافت هذه المرة ملصقًا جديدًا اسمته الترويج لفكر ولاية الفقيه، لتبرير اعتقال الصف الأول من علماء الشيعة.
كان النظام قد مهّد لحملاته الأمنية بما وصفه "تجريم ولاية الفقيه"، في إشارة واضحة لبدء حرب ضروس ضد الطائفة الشيعية.

ثمة متغيران يطرآن على الحملة التي تجري هذه الأيام :
الأول: أن الاستهدافات مدروسة من جهة نوعية الشخوص، ما يضاعف إجرام السلطة في استهداف مفاصل المجتمع ، فعلماء الدين يلعبون دورًا اجتماعيًا بارزًا، واستهدافهم موجهًا بالدرجة الأولى لضرب معنويات الناس.
الثاني: اعتقاد النظام وجود مظلة دولية تقف الآن إلى جانبه، وفقدان عدسات المنظمات الحقوقية الكبرى فاعليتها في ظل هذا الجنون الدولي، خصوصًا مع انخراط الولايات المتحدة في صدام مباشر مع إيران، ما يبرر ربط الاعتقالات بادعاء الارتباط بالجمهورية الإسلامية.

لكن كلا الأمرين لن يساعدا النظام على تنفيذ مخططاته اللاإنسانية، ولن يعوّم كذبه بشأن التهم الجاهزة، لأسباب عديدة، منها:

1. أن الحلول الأمنية قد تُسكت الناس مؤقتاً، لكنها أبعد ما تكون عن العلاج البنيوي للمشاكل الجذرية في البنية السياسية والتحديات الاقتصادية، بل أن الحلول الأمنية تفاقم من تلك المشاكل وتعقدها.
2. أن هروب النظام من تعديل وضعه الجيوسياسي بحاجة إلى عملية جراحية، إحدى مراحلها تتعلق بالتصالح مع القوى الصلبة من الشعب، وإعادة العملية الديمقراطية بشكل جاد، وأما الجزء الآخر فيتعلق بالذهاب إلى نسج تحالفات إقليمية مع قوى كبرى لتعويض الفجوة التي ستخلفها الولايات المتحدة بعد تراجع حضورها في المنطقة.

النظام يختار هروبه للأمام، ما قد يلقي به في رمال متحركة لا يمكن لدولة صغيرة كالبحرين أن تمضي في تعقيداته العميقة. أما البحرينيون السعيدون باستهداف القواعد الأمريكية فليسوا عملاء لإيران، بل إن كل عربي ومسلم غيور قد ابتهج باستهداف تلك القواعد التي تحمي الكيان الصهيوني، لكن المفارقة الكبيرة التي تتجذر هذه الأيام تتعلق بالفرز التاريخي لجبهتين، إحداهما تؤيد إسرائيل وتصطف بالتالي إلى جانب الأنظمة التي تأوي القواعد الحامية للكيان، وجبهة تسعى إلى الاستقلال الوطني، وتنادي بشكل عميق إلى المواطنة الحقيقية عبر فصل مصير الأمن القومي للبلدان العربية والإسلامية عن مصير كيان مؤقت لا يملك عوامل الاستمرارية.