رد ناقد على مقال سميرة رجب: "الوطن" ليس شماعة للقمع!
عبد الله البحراني - 2026-05-06 - 1:23 ص
مرآة البحرين: في وقتٍ تتزامن فيه مثل هذه المقالات التبريرية مع ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا نملك إلا أن نتوقف عندها بنظرة تأمل تحمل شيئًا من السخرية؛ إذ يُقدَّم هذا الطرح على أنه "تحليل"، بينما هو في جوهره خطاب سياسي مكشوف يسعى إلى إضفاء الشرعية على القمع، وتجريم حرية التعبير تحت غطاءٍ زائف من الموضوعية.
إن مقال "عندما يصبح الوطن فرصة للنفعية"، لسميرة بن رجب، والمنشور بصحيفة أخبار الخليج البحرينية (الاثنين 4 مايو 2026)، ليس مجرد وجهة نظر، بل هو وثيقة دامغة تكشف عن عقلية تبريرية تسعى لتقويض أبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، وتصوير المطالب المشروعة للشعوب كـ "خيانة" تستوجب أقصى العقوبات، بما في ذلك سحب الجنسيات.
ولكي نضع هذا المقال في سياقه السياسي الحقيقي، لا بد من الإشارة إلى أن كاتبته، سميرة رجب، ليست مجرد "محللة" عابرة، بل هي إحدى مهندسي إعلام للنظام، شغلت مناصب رسمية منها عملها كوزيرة دولة لشؤون الإعلام، وكرست مسيرتها الإعلامية للدفاع المستميت عن سياسات النظام البحريني. إنها الصوت الذي لا يكل ولا يمل في شيطنة أي حراك شعبي أو مطالبة بالحقوق، وتصويره كـ "مؤامرة" خارجية أو "خيانة" داخلية، في محاولة يائسة لتشويه تطلعات الشعب نحو إصلاحات ديمقراطية حقيقية. هذا السياق يجعل من مقالها ليس مجرد "تحليل" فكري، بل هو جزء لا يتجزأ من آلة دعائية ممنهجة تهدف إلى تضليل الرأي العام وشرعنة قرارات قمعية تفتقر إلى أدنى معايير الشرعية القانونية والحقوقية في نظر المجتمع الدولي.
يبدأ المقال بسؤال جوهري، ولكنه سؤال يُطرح ببراعة لتبرير الاستبداد: "متى تتحول الأولوية الطبيعية للإنسان (البقاء، المال، المنصب، السلامة) إلى «خيانة»؟" سؤال عظيم، يفتح آفاقاً واسعة للتفكير، لا سيما عندما يكون الجواب العملي في الأنظمة القمعية هو: "عندما تتعارض هذه الأولويات مع مصالح السلطة الحاكمة المطلقة". فالبقاء، على سبيل المثال، حق طبيعي، لكنه يصبح "خيانة عظمى" إذا ما أصر المواطن على البقاء في وطنه بعد أن سُحبت جنسيته تعسفياً وأصبح بلا هوية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي. والمال، الذي هو وسيلة للعيش الكريم، يصبح "خيانة" إذا ما استخدم لدعم عائلات المعتقلين السياسيين أو ضحايا التعذيب. أما المنصب، فحدث ولا حرج، فمجرد الطموح إليه خارج الأطر "المسموح بها" قد يرقى إلى "محاولة قلب نظام الحكم"، بينما السلامة، وهي حق أصيل، تتحول إلى "خيانة" إذا ما طالب بها المواطن في وجه التعذيب الممنهج أو الاعتقال التعسفي الذي يمارس في غياب أي آليات للشفافية والمحاسبة.
يقر المقال بأن "ليس كل من يقدم مصلحته على مصلحة الجماعة هو خائن بالضرورة". يا لها من بصيرة! فمن الطبيعي أن يسعى الإنسان لمصلحته. لكن المقال يضيف: "لكن هناك لحظة فارقة يصبح فيها هذا التقديم خيانة حقيقية". هذه "اللحظة الفارقة" هي بيت القصيد، وهي غالباً ما تكون اللحظة التي يقرر فيها المواطن أن يمارس حقوقه الأساسية المكفولة في المواثيق الدولية، مثل حرية التعبير أو التجمع السلمي. ففي هذه اللحظة، تتحول المطالبة بالحقوق إلى "تهديد للأمن الوطني"، ويصبح الناشط الحقوقي "عميلاً"، والمدافع عن الدستور "خائناً". إنها "لحظة فارقة" بالفعل، لكنها فارقة في سجل حقوق الإنسان الذي ينتهك بشكل ممنهج، لا في سجل الوطنية الزائفة التي يروج لها أمثال الكاتبة.
أما عن "الخيانة نفسياً تبدأ بتوسل التبرير لسلوك «لا وطني» خطير... وبناء أسوار التبرير هذا هو نتيجة لشعور الفرد في قرارة نفسه أن ما يفعله خطأ"، فهذا تحليل نفسي عميق يستحق أن يُدرس في جامعات علم النفس السياسي، ليس لفهم "الخائن"، بل لفهم عقلية من يبررون القمع. فالمواطن الذي يرى وطنه يُدار بطريقة لا تخدم مصالح الأغلبية، ويشعر بالظلم، ثم يقرر أن يعبر عن رأيه، هو في الحقيقة "يبني أسواراً من التبريرات" لنفسه، حسب زعم المقال. أما السلطة التي تسحب الجنسيات وتزج بالمعارضين في السجون، وتكمم الأفواه، فهي لا تحتاج إلى "أسوار تبريرات"، بل تكتفي بـ "قوانين" تُفصل على مقاسها، وتصريحات "وطنية" زائفة تملأ الفضاء الإعلامي، وتتجاهل تماماً غياب آليات الشفافية والمحاسبة التي هي أساس أي حكم رشيد.
ويستمر المقال في رسم صورة قاتمة لمن "يموت فيه المشاعر الوطنية، ويحل محلها براغماتية باردة لا ترى في الوطن إلا ما يمكن أخذه منه". يا لها من مفارقة صارخة! فمن الذي يرى الوطن "موارد يمكن استغلالها"؟ هل هو المواطن الذي يطالب بحقه في ثروات بلاده، أم هو النظام الذي يستولي على هذه الثروات ويحرم شعبه منها، ويستخدمها لتعزيز سلطته؟ هل هو من يرى "المؤسسات الوطنية عقبات يجب تجاوزها"؟ هل هو المواطن الذي ينتقد فساد هذه المؤسسات ويطالب بإصلاحها، أم هو النظام الذي يفسدها ويجعلها أداة للقمع والتحكم، ويمنع أي رأي مخالف من الظهور، خاصة في يوم نحتفل فيه بحرية الصحافة؟
إن المقال، بأسلوبه البلاغي المضلل، يحاول أن يضع إطاراً أخلاقياً لـ "الخيانة"، لكنه في الواقع يقدم تبريراً وقحاً لانتهاكات حقوقية جسيمة. فـ "الوطن"، في المفهوم الحقوقي، هو عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، يضمن حقوق الأخير وواجباته. وعندما تتنصل الدولة من التزاماتها تجاه مواطنيها، وتستخدم مفاهيم مثل "الخيانة" لتكميم الأفواه وقمع المعارضة، فإنها هي من "يخون" هذا العقد الاجتماعي، وهي من "تقتل المشاعر الوطنية" الحقيقية، لتزرع بدلاً منها الخوف واليأس، وتخلق بيئة لا مكان فيها لحرية التعبير أو الصحافة المستقلة.
في الختام، يبدو أن هذا المقال يدعونا إلى إعادة تعريف "الوطنية" و"الخيانة"، لا وفقاً للمبادئ العالمية للعدالة وحقوق الإنسان، بل وفقاً لـ "الظروف" و"المصالح" التي تخدم أجندات معينة. ولعل "المقارنة المنحرفة" التي يذكرها المقال، والتي يقول فيها "ما أفعله أقل ضرراً مما يفعله غيري"، تنطبق بشكل ساخر على من يكتبون مثل هذه المقالات لتبرير ما لا يمكن تبريره حقوقياً وقانونياً، في ظل غياب تام للشفافية والمحاسبة، وتجريم ممنهج لكل صوت حر. إن الوطن ليس ملكاً لأحد، وليس شماعة تعلق عليها جرائم القمع وانتهاكات حقوق الإنسان.