جعفر سلمان.. مثقف الموز
محمد البناء - 2026-04-20 - 4:19 ص
مرآة البحرين: بالعودة إلى خلفيات مشاركة جعفر سلمان في برنامج حواري على "قناة العهد العراقية"، وَصَفَ الرجل جمهورية العراق بـ"جمهورية الموز" في سياق مشادّة بينه وبين أحد الضيوف، وسرعان ما تحوّل إلى بطل لدى جمهور الموالين الذين يحبون الخطابات الشعبوية وشتيمة المخالفين.
لكن، مع مراجعة دلالات المصطلح "جمهورية الموز"، يتبيّن أنّ أول من أطلقه هو الكاتب الأمريكي "أو. هنري" في عام 1904، وقد استخدمه في كتابه "الكرنب والملوك" لوصف الدولة التي تفتقر للعدالة وتتحكم فيها المصالح التجارية الخارجية.
المصطلح، أخذ أبعاده في التداول في سياق سياسي لوصف حروب ما يُعرف في دول أمريكا اللاتينية بـ"حروب الموز"، حيث كانت تسيطر شركات الفواكه الأمريكية الضخمة على مساحات شاسعة من الأراضي في أمريكا الوسطى والكاريبي وتتحكم في مصائر الحكومات هناك، وتموّل انقلابات ضد الحكومات المحلية في حال حاولت الأخيرة فرض ضرائب أو قوانين عمل عادلة.
ولاحقاً، استخدم المصطلح كرمز سياسي لوصف الدول التي تعتمد على مورد اقتصادي واحد أو موارد محدودة، وتعاني من التبعية والفساد وضعف المؤسسات وغياب العدالة وتعيش حالة التفاوت الاجتماعي الكبير. وفي أوروبا استخدم في السجالات السياسية بشكل ساخر وتحذيري حينما كان الناس يشعرون أن مؤسساتهم الديمقراطية بدأت تتآكل وتتحول لممارسات تشبه ممارسات جمهوريات الموز الأصلية.
ولا شك أن القارئ هنا بات يعرف ما نريد أن نقوله، فلا حاجة بعد ذكر كلّ هذه المواصفات للبرهنة على انطباق المصطلح ودلالاته على "دولة البحرين" كحكومة استبدادية مطلقة تحترف تفريخ المؤسسات الديكورية، وتفتقر للعدالة وتعاني من الفساد والهدر، وقد فشلت على مدى سنوات في تنويع مصادر دخلها، إلى أن وصلت إلى حالة من المديونية الخطيرة التي تعيشها الآن، اضطرتها إلى الاعتماد على دعومات أخواتها الخليجيات لتسيير مشاريعها الداخلية، وتصنّف بعد لبنان في نسبة الدين العام للناتج المحلي بحسب بيانات صندوق النقد الدولي (2025)، كما تعاني من أزمة دستورية وسياسية وحقوقية عصيّة على الحلّ لغياب لغة الحوار والتفاوض وهيمنة القمع واللغة البوليسية.
أمام هكذا واقع، يبرز دور "مثقف الموز" لتزييف الحقيقة وقلبها رأساً على عقب، في مهمة تشبه إطلاق وصف "سيدة أعمال" على "المومس" بتنميق يتجاوز الواقع، وهذا ما يقوم به "جعفر سلمان" بالضبط.
مشكلة جعفر سلمان أنّه جاء متأخراً، غريراً بدهاليز الصراع، حديث العهد بالسياسة واستقطابات السلطة، متخفيّاً وراء 21 رواية لم يقيّمها ناقد ثقافي واحد، وظنّ أن لا أحد سيلاحظ التحاقه بفرق التطبيل التي تقود الصحافة المحلية، خصوصاً عندما يستخدم بهلوانات المتمنطق السياسي والديني، في مغالطات دائرية لا تصل إلى مكان.
بالعودة لأرشيف مقالاته في "جريدة الأيام"، لا يمارس جعفر دور الكاتب الرصين في تناوله للقضايا المحلية، لا يعالج اهتمامات الشارع، لا ينقد الفساد الحكومي مثلاً، لا يشنع على المعارضة والسلطة بالتساوي مثلاً، فذلك من مُحرّمات الصحف المحلية أساساً، والرجل ليس وسطياً أو محايداً، ولا يقول عن نفسه ذلك، فغالبية مقالاته تتجّه إلى منحى التحريض والوقيعة والتشنيع بالمعارضة والقوى الإسلامية لا أكثر، هو يدعو لأدوار قمعية أكثر فاعلية، يحثّ الدولة على التغوّل أكثر، وبشكل شعبوي لا ثقافي، أنت لا تجد أدوات ثقافية عندما تقرأ مقالاً له، بل كلاماً يشبه المحاججات والمماحكات العامة، إذا ما لاحظنا أنّ الرجل يحسب نفسه على شريحة المثقفين والباحثين في الشؤون الثقافية والسياسية!
يقول في مقال له بعنوان "دعونا نعيش": (هناك نشاط محموم في هذه الأيام لضرب مفهوم الدولة، نشاط يركز على خلق مظلوميات تاريخية ومن ثم إسقاطها على واقعنا الحالي، في محاولة لشيطنة الدولة، وجر الناس للعيش في صفحات التاريخ المُدعى، ليعيشوا حالة ظلم هم لم يتعرضوا لها، ويطالبون بإصلاح حالة هي ليست موجودة). أوه، إنّ جعفر يقول لنا أن المعارضة ترفع مظلوميات تاريخية وتريد إصلاح حالة غير موجودة، يا له من مثقف كبير يفكك المعارضة وخطابها البائس!
ثم يذهب إلى التحريض: (يجب أن نستوعب كمجتمع أنه لا يمكن أن تتقدم دولة وأحد أركانها الثلاثة (النظام) يتعرض لتهديد دائم). آه.. إنّها النتيجة.
لا يفرّق جعفر سلمان مثلاً بين نصّ الميثاق كورقة سياسية قائمة، وبين حركة السلطة في الانقلاب عليها، هو يخلط بين النص التشريعي وبين تطبيقه. يردّد الرجل هذه الدراما كمن يبشّرنا بحالة تنويرية محورها "ميثاق العمل الوطني"، ثم يقول بفم مشدوه: المعارضة تكذب، نحن نعيش أكبر كذبة أطلقتها المعارضة الدينية في البحرين.
يتجاوز جعفر سلمان اتفاقات المعارضة مع رأس الحكم في اللقاءات الخاصة بين الطرفين، في اللقاءات العامة كمجلس العلامة السيد علوي الغريفي، يتجاهل التصريحات التطمينية التي نُشرت في الصحافة حينها حول عدم التغيير الدستوري، أو إعطاء غرفة الشورى دوراً تشريعياً، ثم يرفع راية الاستبصار على حين غفلة: لقد انتشلني الميثاق.. لقد انتشلني الميثاق!
إنّها فعلاً حالة درامية لا تخلو من التشويق، لكنها مثيرة للضحك والتساؤل: هل الرجل جاد في رواية هذا المقطع الهوليوودي من حياته؟ هل هو صادق أم يبيع وهماً على الحكومة؟
ظاهرة "مثقف الموز" في البحرين لا تقتصر على جعفر سلمان لوحده، فهي تشير للأشخاص الذين يبيعون أقلامهم وضمائرهم الأخلاقية للسلطة مقابل امتيازات موزوية وافرة، وهي ليست أمراً جديداً على الساحة، ولن تكون الأخيرة طبعاً، ما دامت السلطة على استعداد دائم لرمي الموز على من يقدّم لها عرضاً جميلاً داخل السيرك.
- 2026-04-16ضياء الموسوي وسيكوباتية الاستعصاء على الثقافة!
- 2026-04-08أيها الخليجيون.. كيف حال تموضعكم الجيوسياسي؟
- 2026-04-06لا ملوك في أمريكا.. لا ملوك في الخليج
- 2026-04-02هل أرسل النظام رسالة تهديد وإرهاب عبر جسد السيد محمد الموسوي؟
- 2026-04-02ثلاثة عقود لم تطوِ صفحة "السبت الأسود": الجمري تحوّل إلى أيقونة للمقاومة.. ودماء الشهداء تحاصر قاتليهم حتى اليوم