الجلًاد راشد يتقمص دور معلم الوطنية
2026-04-14 - 1:34 ص
مرآة البحرين: في الثاني من أبريل الماضي ، وبينما كانت والدة السيد محمد السيد محسن الموسوي تبكي ابنها الذي دخل مراكز التحقيق حياً وخرج جثة نتيجة التعذيب ، وبينما كانت البحرين تُستخدم ورقةً في لعبة أمريكية لا يملك البحريني العادي حتى تذكرة فيها، وقف راشد بن عبدالله آل خليفة أمام ما يُسمى "السلطة التشريعية" ليُلقي محاضرة في الوطنية.
لحظةٌ تستحق التوقف. ليس لأن الكلام كان مفاجئاً، بل لأن صاحبه لا يتوقع أن يُحاسَب. الرجل الذي ارتبط اسمه بأعتم حقبة في تاريخ البحرين الأمني، الرجل الذي تتحرك ضده ملفات عقوبات "ماغنيتسكي" في واشنطن ولندن، يجلس على كرسيه بكل ثقل ويوزع صكوك الوطنية، كمن يبيع الماء في النهر ويُقنع العطاش بالشكر.
لم يكن في كلمة وزير الداخلية ما يستحق أن يُسمّى "رؤية أمنية". لم يكن هناك حديث عن حماية السيادة وسط تصاعد التوترات الإقليمية، ولا خارطة طريق لكيفية صون البحرين من أن تكون وقوداً في حرب لا خير فيها. كان الخطاب مزيجاً من كلمات محفوظة : "الاصطفاف الوطني"، "رد الجميل"، "الالتحام"، "إرث الآباء والأجداد".
هذه الإنشائيات ليست من لغة السياسة، هي اللغة التي تلجأ إليها السلطة حين يُضيق عليها الواقع الخناق، فتهرب من ميدان المساءلة إلى خندق العواطف. كأن الرجل يقول: لا تسألوني عن الموتى في زنازين التحقيق، بل تذكروا الأجداد، لا تسألوني عن القواعد الأجنبية على أرضنا، بل استذكروا التاريخ. لكن الأجداد كانوا يُعلّمون أن الوطنية فعل وليست شعاراً.
الوقاحة في هذا الخطاب هي جرأة راشد بن عبدالله على التحدث عن "الانتماء الوطني الصادق"، في حين أن وزارته قامت على نموذج التخلي عن ابن البلد الأصيل لصالح آلاف المجنسين والمرتزقة المستوردين من أصقاع لا علاقة لهم بالبحرين لغةً ولا تاريخاً ولا دماً ولا هوية.
حقيقة وثّقتها منظمات حقوق الإنسان الدولية وشهدها كل بحريني بعينيه. الشرطي الذي يُشهر هراوته في وجهك في شارع السيف يتكلم بلكنة أجنبية، ويتقاضى راتبه من موارد البحرين، ولا يعرف شيئاً عن تاريخ المنامة ولا عن شوارع سترة ولا ممرات الرفاع التي نشأت فيها العائلات البحرينية جيلاً بعد جيل. هذا المشهد يُجسّد الفضيحة في منظومة راشد بن عبدالله، فكيف تبني وطنية على قاعدة من الغرباء وتطلب من الأصلاء إثبات ولاءهم؟
الوطنية الحقيقية هي الثقة في أبناء الشعب لحماية وطنهم. أما الاستعانة بالأمن المستورد لحماية النظام من الشعب، فهو اعتراف صريح بأن السلطة خائفة من شعبها.
وإذا مت أراد هذا الرجل أن يتحدث عن التاريخ، فلنتحدث عنه كاملاً لا انتقائياً. ففي فبراير 2011، خرج البحرينيون إلى دوار اللؤلؤة بأيدٍ عارية وحناجر مفتوحة. لم يكن معهم سلاح، كان معهم مطلب واحد قديم متجدد: أن لا يُقهَروا، أن يكون لهم صوت في وطن يحملون اسمه، فكان الرد دباباتٍ قدمت من جسر الجارة السعودية.
رصاصٌ أُطلق على متظاهرين عُزَّل، والمستشفى الرئيسي تحوّل إلى ساحة اعتقال، في سابقة لم تشهدها المنطقة حتى في أحلك فصولها. ثم هُدم نصب اللؤلؤة لمحو الأثر البصري لحلم الشعب.
لم يكتفوا بالميدان. دخلوا البيوت. اعتُقل الأطباء بتهمة إسعاف الجرحى. اعتُقلت الممرضات. فُصل الموظفون بسبب تغريدة أو حضور تجمع أو مجرد الظهور في صورة، والأفظع هو هدم عدد كبير من المساجد.
لجنة بسيوني، التي شكّلتها الحكومة بنفسها حين أرادت أن تُظهر للعالم حسن النية، وثّقت الصعق الكهربائي، والإيهام بالإغراق، والانتزاع القسري للاعترافات، والتحرش الجنسي التي استخدمت كأدوات للإذلال الممنهج. لم يكن ذلك رأياً معارضاً، بل وثيقة أصدرتها جهة اختارها النظام.
فمن يا ترى كان على رأس المنظومة التي ارتكبت كل هذا يا سعادة الوزير؟
لم تُفضِ هذه الوثيقة إلى محاكمة واحدة حقيقية لمسؤول كبير. جرت محاكمة بعض الصغار لحفظ ماء الوجه، ثم أُعيدوا لاحقاً إلى الخدمة كأن شيئاً لم يكن، وأما الكبار فقد نالو ترقيات تقديرًا لجرائمهم.
حقبة 2011 ليست تاريخاً انتهى؛ هي جرح مفتوح يتنفس يومياً في كل بيت فقد أحداً، وفي كل معتقل لا يزال خلف القضبان بسبب موقف سياسي، وفي كل مواطن يخفّض صوته قبل أن يتكلم حتى في بيته. ما بُني على قمع 2011 لا يُسمّى استقراراً وإنما هدنة مفروضة لها تاريخ انتهاء.
في قلب خطاب راشد بن عبدالله ثمة غياب صارخ اسمه الشهيد السيد محمد الموسوي، الشاب الذي دخل مؤسسة أمنية تابعة لهذه الوزارة وخرج منها محمولًا على الأكتاف. قضية لا تزال تئن تحت ثقل الصمت الرسمي، رغم أن التقارير والشهادات الحقوقية لم تترك مجالاً للشك فيما جرى.
لم يُذكر اسمه. لم يُعتذر. لم يُحقَّق. ووقف الرجل في المكان ذاته ليتحدث عن "بيت رحب لكل مواطن" وعن "دولة القانون".
البحرين ليست ملكيةً خاصة لمن يملك مفاتيح السجون. وراشد بن عبدالله، مهما طالت ولايته ومهما تعالت خطبه، لن يحصل من هذا الشعب على صك الوطنية الذي يبحث عنه، لأن هذا الصك لا يُمنح بالقوة، ولا يُشترى بالرتب، ولا يُزوَّر بالكلام.
- 2026-04-14تعيين "شيخ اللاريكا" الأبله عضوًا بمجلس الدفاع الأعلى
- 2026-04-12كيف فضحت واشنطن رواية الحياد الخليجي؟
- 2026-04-09هل زعزع الدكتور علي فخرو سردية نخب الصهينة في البحرين؟
- 2026-04-02هكذا قرّر الرئيس الأمريكي استباحة السيادة الخليجية: هل لديهم القدرة على معرفة متى نقلع أو نهبط؟ إنهم لا يعلمون شيئاً
- 2026-04-01سردية "الخلايا" كتعويض عن فشل الدولة في سياستها الدفاعية