البحرين في مواجهة قصر نظرها الاستراتيجي
2026-03-19 - 8:05 ص
لم يعد مُمكنًا التستّر على حقيقة الانكشاف الذي تعيشه البحرين، بعد التصريح الصادم الذي أدلى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين قال بوضوح إن "السعودية والكويت والبحرين تتعرض للقصف... ولم يكن هناك أي خبير يتوقع حدوث ذلك"، مُضيفًا ببرود لافت: "ليس السؤال هو: هل كان ينبغي لنا أن نعلم؟ وإن كنا نعلم، فلا بأس... علينا أن نفعل ما يجب علينا فعله".
لم يكن هذا الكلام مجرد زلّة لسان، بل اعتراف صريح بأن الحليف الذي راهنت عليه المنامة عاجز، أو غير معني أساسًا، بتوفير الحماية التي طالما وُعدت بها دول الخليج.
هذا التصريح، بكل ما يحمله من استخفاف وخفّة في التعاطي مع أمن دولٍ بأكملها، ينسف الرواية الرسمية البحرينية التي قامت لسنوات على تسويق التحالف مع واشنطن كضمانة استراتيجية. فجأة، يتبيّن أن ما اعتُبر "مظلّة حماية" ليس سوى وهم سياسي، وأن الدولة التي اندفعت بلا حساب نحو حضن الإدارة "الترامبية"، لم تكن تقرأ الواقع بقدر ما كانت تتشبّث بأوهام القوة.
الأخطر في كلام ترامب ليس إقراره بأن هذه الدول تتعرض للقصف، بل اعترافه الضمني بأن ذلك لم يكن متوقّعًا حتى لدى "الخبراء"، وكأن ما يحدث قدر مفاجئ لا يمكن الاستعداد له. هذا الطرح يكشف حجم الارتجال في إدارة الأزمات، ويؤكد أن أمن الحلفاء ليس أولوية بقدر ما هو تفصيل ثانوي في حسابات السياسة الأمريكية. أمّا عبارته "علينا أن نفعل ما يجب علينا فعله"، فهي جملة فضفاضة لا تحمل أيّ التزام فعلي، وتُترجم عمليًا إلى حرية واشنطن في التصرف وفق مصالحها فقط، لا وفق أمن شركائها، وهذا ما تكشف عنه الوقائع العملية منذ بدء الحرب.
من هنا، لا يمكن قراءة هذا التصريح إلّا بوصفه إدانة مزدوجة: إدانة للسياسة الأمريكية التي تتعامل مع حلفائها كأوراق قابلة للاستهلاك، وإدانة أشدّ للسياسة البحرينية التي سلّمت مصيرها لهذه المعادلة المُختلّة. فالدولة لم تكتفِ بالتحالف مع واشنطن، بل بالغت في الارتهان لها، وربطت أمنها القومي بخيارات إدارة معروفة بتقلبها واندفاعها.
بإرادتها، اختارت البحرين أن تكون جزءًا من اصطفافات إقليمية حادة، وأن تنخرط في مشاريع تتجاوز حجمها وقدرتها، مستندة إلى ثقة مفرطة بالدعم الأمريكي. لكن هذا الدعم، كما يظهر اليوم، ليس سوى التزام نظري يتبخر عند أول اختبار. وعندما تعترف أعلى سلطة سياسية في الولايات المتحدة بأن حلفاءها يتعرضون للقصف من دون أن تقدم إجابة واضحة عن كيفية حمايتهم، فإن ذلك يعني ببساطة أن معادلة الردع قد سقطت.
المسؤولية هنا لا تقع على واشنطن وحدها، بل على صانع القرار في البحرين الذي تجاهل كل التحذيرات، ورفض تبنّي سياسة أكثر توازنًا. كان بالإمكان تجنّب هذا المأزق وتخفيف حدّة الاصطفاف، واعتماد نهج يضع مصلحة البلاد فوق إملاءات الحلفاء. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: اندفاع أعمى، وثقة غير مشروطة، وقراءة سطحية لمعادلات القوة في المنطقة.
اليوم، تدفع البحرين ثمن هذا القصر في النظر. فبدلًا من أن تكون في موقع آمن، تجد نفسها في قلب دائرة الاستهداف، من دون ضمانات حقيقية للحماية. والأسوأ أن الخطاب الرسمي ما يزال يتجنّب الاعتراف بحجم الخطأ، ويواصل التمسّك بالتحالف ذاته، وكأن شيئًا لم يتغيّر.
في النهاية، لا يمكن بناء الأمن الوطني على وعود متقلّبة، ولا على رهانات خارجية محفوفة بالمخاطر. ما تحتاجه البحرين اليوم هو استعادة قرارها السيادي، والخروج من دائرة الارتهان، قبل أن يتحوّل هذا النفق المظلم إلى واقع دائم لا يمكن الفكاك منه.
- 2026-03-17الاعتدال الرسمي.. روايةٌ لا تُشبه الواقع
- 2026-03-16متى يندم ناصر بن حمد على تصريحاته؟
- 2026-03-13ما علاقة دكتاتورية النظام البحريني مع الشعب بضرب محطة تحلية مياه وقاعدة الجفير؟
- 2026-03-12فيديو مصوّر لاحق سردية السلطة في سترة: باتريوت اعتراضي وليس مسيّرة إيرانية
- 2026-03-12حين لا تحمي التحالفات أصحابها.. ولي العهد البحريني يستغيث بالأوروبيين