الاعتدال الرسمي.. روايةٌ لا تُشبه الواقع
2026-03-17 - 6:32 ص
مرآة البحرين: في كلمته بمناسبة العشر الأواخر من شهر رمضان، حرص الملك حمد بن عيسى على إعادة التأكيد أن البحرين "ستظل ثابتة على نهج الحكمة والاعتدال"، وأنها تمضي "بثقة واتزان في أداء التزاماتها تجاه محيطها العربي والمجتمع الدولي".
هذه العبارة التي تتكرر في الخطاب الرسمي منذ سنوات تبدو اليوم أكثر تناقضًا من أي وقت مضى مع الواقع الذي تعيشه البلاد، خصوصًا بعد الأحداث العسكرية الأخيرة التي كشفت مدى هشاشة الأمن في البحرين، ومدى ارتباط مصيرها بتوازنات الصراع الإقليمي.
الحديث عن "الاعتدال" في السياسة الخارجية يُصبح بلا معنى عندما تتحوّل البلاد إلى ساحة متقدمة في الصراع بين القوى الكبرى. البحرين ليست دولة بعيدة عن التوترات، بل هي جزء مباشر منها بحكم الاصطفافات العسكرية والسياسية التي تبنّاها النظام خلال السنوات الماضية. وفي لحظة اشتعال المواجهة بين إيران من جهة، والكيان الصهيوني والولايات المتحدة من جهة أخرى، وجدت البحرين نفسها في قلب دائرة الخطر، رغم صغر مساحتها وقلة قدرتها على تحمّل تبعات مثل هذه الصراعات.
الملك في خطابه قدّم البحرين باعتبارها "دولة سلام لم تبادر يومًا إلى استعداء أحد"، واعتبر أن ما تعرّضت له البلاد هو "اعتداء لا يمكن تبريره".
لكن السؤال الذي يطرحه كثير من البحرينيين اليوم: هل يمكن فعلًا الحديث عن الحياد والسلام في وقت تستضيف فيه البلاد واحدة من أهم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وتشارك في منظومات أمنية وعسكرية تجعلها جزءًا من معادلات الصراع؟
الاعتدال الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالسياسات التي تحمي البلاد من الانجرار إلى حروب الآخرين. وما جرى مؤخرًا كشف أن البحرين لم تعد تملك هذا الهامش، بل أصبحت بحكم موقعها السياسي والعسكري طرفًا في معادلة إقليمية أكبر منها بكثير.
الأخطر في الخطاب الملكي أنه يتحدث عن الاستقرار وكأنه مُعطى ثابت، بينما يعيش المواطن البحريني اليوم حالة قلق حقيقية. الأحداث الأخيرة أظهرت أن أيّ تصعيد إقليمي يجعل البلاد هدفًا مباشرًا أو ساحة ارتدادات للصراع، وهو ما يضع أمن المجتمع البحريني على المحك.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه المواطنون خطابًا يُراجع الخيارات السياسية التي وضعت البلاد في هذا الموقع الحساس، جاء الخطاب ليعيد إنتاج اللغة نفسها: لغة الاعتدال، والتوازن، والثقة بالمستقبل. المشكلة أن هذه اللغة لم تعد تقنع أحدًا، لأن الوقائع على الأرض تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
الاعتدال الحقيقي يبدأ بسياسة خارجية تحمي الدولة الصغيرة من أن تتحوّل إلى قاعدة أمامية في صراع إقليمي، وتبدأ أيضًا بسياسة داخلية تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، لا أن تُبقي البلاد في حالة استنفار دائم بسبب خيارات سياسية لا يشارك المواطنون في اتخاذها.
اليوم، لم يعد السؤال إن كانت البحرين تتبنى خطاب الاعتدال، بل إن كانت سياساتها بالفعل تعكس هذا الاعتدال. بين الخطاب والواقع مسافة كبيرة، وهذه المسافة هي التي جعلت البحرين تبدو أكثر هشاشة في مواجهة العواصف الإقليمية.
- 2026-03-16متى يندم ناصر بن حمد على تصريحاته؟
- 2026-03-13ما علاقة دكتاتورية النظام البحريني مع الشعب بضرب محطة تحلية مياه وقاعدة الجفير؟
- 2026-03-12فيديو مصوّر لاحق سردية السلطة في سترة: باتريوت اعتراضي وليس مسيّرة إيرانية
- 2026-03-12حين لا تحمي التحالفات أصحابها.. ولي العهد البحريني يستغيث بالأوروبيين
- 2026-03-11المواطن البحريني على موعد مع فاتورة الحرب: من سيدفع ثمن حماقة حماية الأمريكان؟