بين صَمتُنا وصَمتُهُم.. الشاووش: الليلة حفلة

عبد الغني الخنجر - 2026-02-27 - 7:50 م

في أكتوبر 2010م، بعد أشهر من التعذيب الجسدي والنفسي في الحبس الانفرادي لدى جهاز المخابرات الوطني البحريني (جهاز الأمن الوطني سابقًا)، جاء اليوم الذي نُقاد فيه إلى المحكمة. وقبيل أخذنا إلى المحكمة بيوم، طاف على زنازيننا الرائد في جهاز الأمن الوطني، عيسى سلطان السليطي، وكان الهدف تذكيرنا بالتعذيب، والحرص على أن نعترف ونُقِرّ بالتهم التي فُبركت ضدنا أمام قاضي المحكمة.
كانت أول جلسة محاكمة، وطوال الفترة منذ الاعتقال حتى الجلسة لم يتوقف الضرب والتهديد والصراخ والسبّ والشتم، وبشكل يومي.

المعتقلون في القضية 23 شخصية: علماء دين، معلمان، طبيب، أكاديمي، مهندس، مدوّن، ومجموعة من النشطاء. لم نرَ بعضنا بعضًا طيلة فترة الاعتقال ما قبل أول جلسة محاكمة، ولم نلتقِ بمحامينا، ولم يزورونا، ولم تكن الزيارات مفتوحة لنا أصلًا.

في صباح اليوم التالي، منذ إشراقة الشمس، سمعنا في محبسنا، الذي نُقلنا إليه من سرداب جهاز الأمن في مبنى المخابرات، في قلعة الشرطة بالمنامة، وهو سجن الحوض الجاف، صوت الطائرة المروحية وهي تحلّق دون انقطاع.

فجأة دخل عناصر جهاز الأمن ليقتادونا، كلٌّ من زنزانته الانفرادية، نحو خارج عنبري السجن رقم (10) ورقم (9)، وهما عنبران مخصصان للجهاز وعناصره، حيث ارتُكبت فضائع ضد أطفال اعتُقلوا هناك.
خرجنا بسرعة، وكنت ألتفت هنا وهناك لأتعرف على الإخوة.
أركبونا في حافلة بيضاء اللون، وللمرة الأولى منذ الاعتقال نشاهد بعضنا بعضًا بهذا القرب، ونتعرف على بعض الذين معنا في القضية، الذين لم نكن نعرفهم أصلًا.

في الحافلة بدأوا بالتهديدات ..
عناصر جهاز الأمن: لا يتكلم أحدٌ مع الآخر أبدًا، وإلا سترون ماذا سيحل بكم.
ساد الصمت في صفوفنا جميعًا، وصرنا نتحدث بالنظرات فقط. كل واحد منّا ينظر للآخر ويبتسم ابتسامة خفيفة جدًا، لكنها تحمل معنى كبيرًا للغاية، معنى يختصر الصمود.
كان الخوف مسيطرًا، لأن هذه المجموعة من عناصر جهاز الأمن هي التي تولّت تعذيبنا طيلة أشهر، فلا يمكن نسيان جهاز الصعق بالكهرباء وصوته المرعب.

وصلنا إلى المحكمة، وتفاجأنا بأهلنا والمحامين، ولأول مرة أشاهد فيها الأهل بعد أشهر، ولكن من بعيد. كانت لحظة مؤثرة جدًا، شعرنا بالقوة، وثارت بداخلنا طاقة صمود عجيبة.

في المحكمة قلنا كل شيء، وبدأ الألم يتفجّر من كل واحد منا. كان الجلادون يسمعون ويشاهدوننا ونحن نتحدث. كانوا يشاهدون الشيخ محمد حبيب المقداد وهو يتحدث عن التعذيب الوحشي، وكان صمت الجميع في المحكمة سيد الموقف، ما خلا صوتنا، صوت الضحايا المسبيين، هو المسموع.

انتهت المحكمة وحان وقت العودة. اقتادنا الجلادون إلى الحافلة، لكن المفارقة كانت عجيبة؛ ففي وقت أخذنا إلى المحكمة كان الجلادون يضحكون ويهددون ويتوعدوننا ويجبروننا على الصمت، أما عند العودة فكانوا مصدومين من جرأتنا، ويخيم عليهم الصمت،
وبينما نحن نضحك ونتحدث معًا، وكل واحد يكشف للآخر عن آثار التعذيب في جسده.
وصلنا سجن الحوض، ووزّعونا على غرفنا الانفرادية.
فجأة وقف أمام قضبان باب زنزانتي شاب طويل، حسن الملامح، لكنه متحلل خُلقيًا ومغرور، شعره ناعم مشدود إلى الخلف.

الملازم سلمان عيسى الشاووش.
أخذ يصرخ: خنجر، خنجر.
انتبهت له، وقفت وقلت: نعم.
قال: (أنت بعد ما اعترفت في المحكمة؟) أنت أيضًا لم تعترف في المحكمة؟
قلت له: لا، لم أعترف.
قال: ليش؟
قلت: لا يمكن أن أعترف بشيء لم أفعله.
قال: أبشر، الليلة بنسوي لكم حفلة جنس جماعي.