البحرين في التموضع التاريخي الأصعب إزاء إيران: لماذا نظام الجمهورية الإسلامية أسلم للبحرين والمنطقة من نظام شاهنشاهي جديد؟

عباس الجمري - 2026-01-18 - 11:52 ص

لم تكن البحرين يوماً بمنأى عن التبني الخارجي الذي يغطي شرعية الحكم فيها، ويدعمه، ومؤخراً تأرجح الغطاء الخليجي بين السعودية والإمارات كداعمين أساسيين للنظام، مع الغطاء الأمريكي الذي يمثل مظلة لجميع الخليجيين.

لكن في ظل التغيرات الكبيرة في الجغرافيا السياسية، وفيضان الخلاف الإماراتي السعودي على السطح حينما شعرت المملكة العربية السعودية بتهديد أمنها القومي من إسرائيل عبر أبوظبي، وتحديداً في خاصرتها اليمنية، قامت السعودية بترتيب وضع مختلف، أخلت على إثره أي تواجد إماراتي في اليمن، وهذه التغيرات جعلت من الصعب اليوم افتراض وحدة الخيارات في الخليج، ولذلك فإن البحرين على مفترق طرق، خصوصاً في ظل التوترات التي تحدثها إسرائيل وتدعمها أمريكا تجاه إيران، وهذه الخيارات الصعبة تحتاج لحاضنة شعبية تؤازر القرار السليم إذا اختار النظام البحريني الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ.

وهذا يدعونا إلى قراءة متأنية للوضع الإيراني، ومقارنة الحكم الإسلامي الحالي بالنظام الشاهنشاهي الذي شكل حلقة تاريخية واضحة في الخليج، وبذلك، يمكن القول أن تاريخ إيران الحديث قد شكل مرآة واضحة لتحولات كبرى في طبيعة الدولة وسلوكها الإقليمي. فمن عهد الشاه إلى قيام الجمهورية الإسلامية بعد عام 1979، لم تتغير فقط بنية الحكم في طهران، بل تغيّر معها تصور إيران لذاتها ولدورها في محيطها، وخصوصًا في الخليج العربي والبحرين. وعند إجراء مقارنة تاريخية واقعية بين النظامين، يتضح أن نظام الشاه كان أكثر تهديدًا مباشرًا لدول الخليج والبحرين من النظام الإيراني الحالي، رغم ما يرافق الأخير من إشكاليات سياسية وأيديولوجية.

في عهد محمد رضا بهلوي، تبنّت إيران مشروعًا إقليميًا واضح المعالم، قائمًا على الهيمنة العسكرية والسياسية، ومدعومًا بالكامل من الولايات المتحدة وبريطانيا. فبعد الانسحاب البريطاني من شرق السويس عام 1971، قدّم الشاه نفسه بوصفه “شرطي الخليج”، معتبرًا أن أمن المنطقة واستقرارها يجب أن يمر عبر طهران. ولم يكن هذا الدور نظريًا أو دبلوماسيًا، بل تُرجم عمليًا إلى سياسات فرض الأمر الواقع.

أبرز هذه السياسات كان احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث عام 1971، في خطوة عسكرية صريحة تعكس ذهنية التوسع لا الشراكة. أما البحرين، فقد ظل الشاه ينظر إليها بوصفها جزءًا من المجال الإيراني التاريخي، واستمرت المطالبة الرسمية بها حتى عام 1970، ولم يتم الاعتراف باستقلالها إلا بعد ضغوط دولية واستفتاء أممي. هذا السجل وحده يكفي لإظهار أن نظام الشاه لم يكن يتعامل مع دول الخليج باعتبارها دولًا ذات سيادة كاملة، بل ككيانات صغيرة قابلة للإخضاع أو الوصاية.

ويزداد هذا التقييم وضوحًا عند التوقف عند البعد الثقافي والسياسي في شخصية الشاه وسلوكه. فقد عُرف عنه استعلاؤه الواضح على الحكام العرب، ولا سيما حكام الخليج. وتورد مذكراته وشهادات دبلوماسيين غربيين أنه كان يصف بعضهم بأوصاف مهينة وبذيئة، ويشكك في أهليتهم للحكم، معتبرًا إياهم طارئين على التاريخ أو أدوات بيد القوى الكبرى. هذا الاحتقار لم يكن مجرد خطاب خاص، بل انعكس في سياسات متعالية تجاه مخاوفهم الأمنية، وتعامل فظ مع سيادتهم وحدودهم، ما جعل دول الخليج تنظر إلى إيران الشاه بوصفها تهديدًا وجوديًا لا مجرد جار قوي.

إلى جانب ذلك، كان نظام الشاه جزءًا عضويًا من المنظومة الغربية في ذروة الحرب الباردة، ومجهزًا بترسانة عسكرية ضخمة، وأجهزة أمنية قمعية مثل السافاك. هذا التداخل بين القوة العسكرية والطموح الإقليمي والدعم الغربي جعل من إيران آنذاك قوة غير قابلة للتوازن من داخل الإقليم، خصوصًا في ظل هشاشة الدول الخليجية حديثة الاستقلال.

مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، تغيّرت بنية الدولة الإيرانية وخطابها جذريًا. انتقلت إيران من ملكية متحالفة مع الغرب إلى جمهورية ذات خطاب ثوري معادٍ للهيمنة الغربية. ورغم التخوف الكبير من أن هذا الخطاب قد يحمل طموحات أيديولوجية عابرة للحدود، إلا أن الواقع العملي عكس النضج السياسي في  السلوك الإيراني تجاه جيرانه.

فالجمهورية الإسلامية دخلت سريعًا في حرب طويلة ومكلفة مع العراق، ثم واجهت عقوبات اقتصادية وعزلة سياسية امتدت لعقود، وهذه الإرهاصات كانت مدعومة من دول المنطقة، ورغم ذاك لم تبطش طهران بجيرانها، وقدمت رؤية جامعة لأمن الخليج وبما يضمن المصالح المشتركة،  والأهم من ذلك أنها، بخلاف النظام السابق، لم تُقدِم على ضم أراضٍ خليجية جديدة، ولم تُحيي مطالب رسمية بضم البحرين، بل اعترفت باستقلال البحرين وتعاملت معها كدولة قائمة، رغم فترات التوتر السياسي.

صحيح أن النظام الحالي متهم باستخدام أدوات نفوذ غير مباشرة في الإقليم، وأن علاقاته مع بعض دول الخليج شابها صدام وعدم ثقة، إلا أن هذه الإشكاليات بقيت ضمن فضاء سياسي قابل للاحتواء والتفاوض، لا ضمن مشروع ضم جغرافي أو إنكار للسيادة كما كان الحال في عهد الشاه، كما أن التطور العلمي والتقني في الجمهورية، ينبغي أن يُقرأ في السياق الجيوسياسي الذي قد يصب في مصلحة المنطقة لو استثمرت الدول الخليجية هذا المنظور بشكل صحيح في علاقاتها مع طهران.

المفارقة الجوهرية هنا أن نظام الشاه كان يمتلك السطوة والغطاء الأجنبي الذي دفعه إلى الطموح الصريح للهيمنة. ومن منظور الأمن الخليجي والبحريني، فإن الخطر البنيوي الذي مثّله الشاه كان أعمق وأكثر مباشرة من الخطر السياسي الذي يمثله النظام الحالي.

وبحسبة التوازنات، وبقدر كبير من الابتعاد عن التحيز، فإن تفضيل النظام الإيراني الحالي في هذه المقارنة يأتي من باب المفاضلة النوعية بين نظامين عاصرهما الخليج في تاريخه الحديث. فبين نظام ملكي توسعي يرى الخليج مجالًا حيويًا لنفوذه ويتعامل مع حكامه بازدراء، ونظام إسلامي خبرته البلدان المجاورة في صدق تعهداته، يتضح أن الجمهورية الإسلامية - رغم تعقيداتها - كانت أقل تهديدًا مباشرًا لسيادة الخليج والبحرين من نظام الشاه السابق.