الضرائب الصامتة والغضب المؤجَّل:

قراءة في كلفة الإصلاح الاقتصادي على المجتمع البحريني

أحمد رضي - 2026-01-08 - 6:30 ص

مرآة البحرين : في منعطفٍ اقتصادي حرج تتصاعد فيه كلفة المعيشة، أقدمت الحكومة البحرينية في أواخر ديسمبر 2025 على إقرار حزمة من الزيادات السعرية طالت قطاعات حيوية كالوقود والكهرباء، وفرضت رسومًا جديدة على خدمات أساسية. هذه الإجراءات، التي جرى تسويقها تحت شعاري «الاستدامة المالية» و«المواءمة مع الأسواق العالمية»، لا تمثل فقط تحديًا مباشرًا للقدرة الشرائية للأسر، بل تكشف عن تحوّل أعمق في فلسفة الدولة، تنتقل فيه تدريجيًا من دورها كراعٍ للأمن الاجتماعي إلى دور المُحصِّل المالي عبر الضرائب غير المباشرة.
هذا التحوّل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويقوّض أسس العقد الاجتماعي القائم تاريخيًا على الحماية المتبادلة والضمانات الاجتماعية. ويُذكّر هذا النهج بما حذّر منه المفكر علي شريعتي في كتابه (النباهة والاستحمار)، حيث لا يكمن الخطر في الفقر بحد ذاته، بل في تطبيعه، وتحويل السياسات الاقتصادية إلى أدوات إلهاء تُبقي المجتمع منشغلًا بتدبير معيشته اليومية على حساب المشاركة في الشأن العام.

صدمة الوقود: شرارة التضخم الصامت
لم تكن زيادة أسعار الوقود، التي بلغت ذروتها في صنف «الجيد 91» بنسبة تقارب 57%، مجرد تعديل تقني في هيكل الدعم، بل شكّلت تطبيقًا عمليًا لسياسة الصدمة الاقتصادية (Shock Therapy)، التي تقوم على إحداث تغييرات سريعة ومؤلمة لمعالجة الاختلالات المالية.
هذا الارتفاع الحاد لا يستنزف ميزانيات الأسر بشكل مباشر فحسب، بل يطلق سلسلة من الآثار التضخمية المتراكمة (Cost-Push Inflation)، حيث تنتقل زيادة كلفة الطاقة إلى قطاعات النقل وسلاسل التوريد وأسعار الغذاء والخدمات، ما يضرب في الصميم الحق في مستوى معيشي لائق.

الضرائب الصامتة واستهداف الطبقة الوسطى
الأخطر من الزيادة نفسها هو الأسلوب الذي تم به تمريرها. فما يجري ليس إصلاحًا ضريبيًا شفافًا، بل نمط من «الضرائب الصامتة» التي تُفرض تدريجيًا عبر رفع الرسوم والأسعار في قطاعات متعددة وبأوقات متفرقة، بهدف تقليل رد الفعل الجماعي.
في هذا السياق، جاءت مضاعفة تعرفة الكهرباء للشريحة الثالثة بنسبة 100%، بالتزامن مع صدمة الوقود، لتشكّل ضربة مزدوجة. هذا الإجراء لا يؤثر فقط على الأسر، بل يمتد إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تُجبر على نقل التكاليف الإضافية إلى المستهلك النهائي، مولِّدة موجة تضخم ثانية أوسع نطاقًا. ويعكس هذا النهج استهدافًا مباشرًا للطبقة الوسطى، بوصفها تاريخيًا ركيزة الاستقرار الاجتماعي ومحرك النمو الاقتصادي، وتحويلها فعليًا إلى خزان مالي لسد العجز.

تآكل الدخل الحقيقي وغياب آليات الحماية
في ظل ثبات الأجور وغياب آليات فعالة لتصحيحها بما يتناسب مع معدلات التضخم، تؤدي هذه الزيادات المتراكمة إلى تآكل حقيقي في الدخل المتاح للأسر. ولا يقتصر هذا التآكل على تقليص الإنفاق على الكماليات، بل يمتد إلى الضغط على النفقات الأساسية وزيادة المديونية، ما يهدد بإدخال الاقتصاد في مرحلة ركود تضخمي، ترتفع فيها الأسعار بينما يتباطأ النشاط الاقتصادي.
ويزداد عمق الأزمة مع غياب برامج دعم فعالة وموجّهة بدقة للفئات الأكثر تضررًا. فعلى الرغم من وجود أدوات مثل «علاوة الغلاء»، إلا أن قدرتها على امتصاص صدمات سعرية بهذا الحجم تبقى محدودة، ما يخلق فجوة متزايدة في الأمان الاجتماعي ويُشعر المواطن بأنه يتحمل وحده كلفة الإصلاح.

الغضب الصامت: أزمة ثقة بين المواطن والدولة
تتجاوز آثار هذه السياسات البعد الاقتصادي لتصيب البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع. فالصدمات السعرية المتتالية لا تؤدي بالضرورة إلى احتجاج فوري، بل تُراكم ما يمكن تسميته بـ«الغضب المؤجَّل»؛ وهو حالة من الصمت القسري، والتكيّف المرهق، والشعور المتنامي بانعدام العدالة.
هذا الإحساس يفاقم تآكل الثقة بين المواطن والدولة، ويضعف الروابط الاجتماعية، ويرفع منسوب القلق والتوتر. والخطر الحقيقي لا يكمن في الجوع المادي فحسب، بل في فقدان الإحساس بالعدالة والتفسير الأخلاقي للمعاناة. فعندما يشعر المواطنون أن الأعباء تُفرض عليهم بشكل دائم دون أن يمتلكوا أدوات للاعتراض أو المشاركة في القرار، يصبح الاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل مهددًا.

مؤشرات الأثر:
1. الأثر التضخمي: تشير نماذج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن زيادات أسعار الطاقة بهذا الحجم قد ترفع كلفة النقل والخدمات اللوجستية بنسبة تتراوح بين 15% و20%، مع انتقال سريع للأثر إلى أسعار الغذاء والمواد الأساسية.
2. تآكل الدخل الحقيقي: في ظل ثبات الأجور، تُقدر خسارة الدخل الحقيقي للأسر البحرينية المتوسطة بما يتراوح بين 12% و18% نتيجة التراكم المتزامن لزيادات الوقود والكهرباء والرسوم الأخرى.

توصيات بديلة لإصلاح الأزمة:
1. إعادة هندسة الضرائب: التحول من الضرائب غير المباشرة إلى ضرائب تصاعدية على أرباح الشركات الكبرى والمؤسسات المالية لتحقيق عدالة ضريبية.
2. مأسسة الدعم المباشر: ربط علاوة غلاء المعيشة وبرامج الدعم النقدي بشكل تلقائي بمؤشرات أسعار الطاقة والسلع الأساسية لضمان فعاليتها.
3. إصلاح سلم الأجور: إجراء مراجعة وطنية شاملة للأجور في القطاعين العام والخاص لتعكس معدلات التضخم الحقيقية.
4. بدائل الطاقة والنقل العام: تسريع الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة وتطوير شبكة نقل عام فعالة لتقليل الاعتماد القسري على الوقود.
5. الشفافية والمساءلة: إلزام الحكومة بنشر دراسات أثر اجتماعي واقتصادي مستقلة قبل إقرار أي زيادات سعرية مستقبلية، وتعزيز الحوار المجتمعي حول السياسات الاقتصادية.

من يدفع كلفة الإصلاح؟
لم يعد السؤال الجوهري هو "كيف تسد الدولة عجزها المالي؟"، بل "من يدفع كلفة هذا السداد؟ ولماذا يُحمّل العبء دائمًا على من لا يملكون أدوات التأثير والاعتراض؟".
إن الاستمرار في الاعتماد على الضرائب الصامتة والزيادات السعرية كحلول سريعة للأزمات المالية، دون مراعاة للعدالة الاجتماعية أو توفير حماية حقيقية للطبقة الوسطى والفئات الهشة، يجعل المشهد الاجتماعي قابلاً للانفجار. فالإصلاح الاقتصادي، حين ينفصل عن بعده الحقوقي، يتحول من ضرورة وطنية إلى عبء سياسي واجتماعي، ويعيد إنتاج أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع. هذا المسار لا يهدد الاستقرار على المدى البعيد فحسب، بل قد يفتح الباب أمام موجة غضب جديدة تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي والسياسي في البحرين.