قضية الأستاذ حسن مشيمع: حينما يخشى السجانُ جسداً أنهكه المرض
2026-01-05 - 9:58 م
مرآة البحرين: في زنازين البحرين، يقبع رجلٌ قارب الثمانين من عمره. الأستاذ حسن مشيمع، ليس مجرد سجين سياسي، بل هو "العقدة" التي عجزت السلطة في البحرين عن فك شفرتها منذ عقود. إن استمرار اعتقاله، رغم مرضه العضال وسنّه المتقدمة، لا يمكن قراءته إلا كفعل سياسي انتقامي يتجاوز مفهوم العقوبة القانونية إلى محاولة كسر الإرادة الرمزية لتيار عريض.
تدرك سلطة آل خليفة أن حسن مشيمع يمثل رأسًا صلبًا في المعارضة. هو الرجل الذي رفض مراراً مقايضة حريته بمواقف سياسية مائعة. بالنسبة للسلطة، الإفراج عنه دون "ثمن سياسي" أو "اعتذار علني" يعني انكسار هيبة الدولة أمام صمود فرد.
إنهم لا يسجنون مشيمع الشخص، بل يسجنون "النموذج" الذي قد يلهم الأجيال القادمة بأن الصمود خلف القضبان ممكن حتى الرمق الأخير. السلطة ترى في مرضه فرصة للضغط عليه لتقديم تنازل، لكنها تصطدم بجدار من الصلابة، مما يحول القضية إلى صراع إرادات شخصي بين هرم السلطة ورمز المعارضة.
سياسة القتل البطيء تحت غطاء الرعاية
تتحدث التقارير الرسمية عن توفير "رعاية طبية فائقة"، لكن الواقع الحقوقي يصف وضعاً مختلفاً تماماً. إن إبقاء زعيم معارض في السبعينيات من عمره، يعاني من أمراض مزمنة (كالسرطان والسكري والضغط)، في ظروف عزل أو تقييد، هو "قتل بطيء" بدم بارد. السلطة تخشى أن يخرج مشيمع ليكون "خميرة" لحراك جديد، لذا تفضل أن تظل حالته الصحية متدهورة داخل السجن لتضمن شلّ حركته السياسية.
إنهم يخشون "صوته" وهو طليق، فخروجه منتصراً هو الكابوس الذي لا تريد القبيلة الاستيقاظ عليه.
بقاء مشيمع خلف القضبان هو رسالة ترهيب موجهة لكل من يفكر في معارضة النظام بسقف مرتفع. الرسالة مفادها: "إذا كان هذا مصير زعيم بحجم مشيمع وتاريخه وسنه، فماذا سيكون مصيركم؟".
هي سياسة ""تصفير المعارضة" ، سياسة لا تقيم وزناً للمناشدات الدولية ولا للقيم الأخلاقية التي تستوجب احترام شيبة الإنسان ومرضه. السلطة هنا تمارس نوعاً من "السادية السياسية" لإثبات أنها لا تتراجع تحت الضغط الحقوقي، وأن "الأمن" يتقدم على "الإنسانية" في قاموسها.
الإفراج عن حسن مشيمع ومجموعة الرموز يعني بالضرورة اعتراف السلطة بوجود أزمة سياسية حقيقية تتطلب حلاً جذرياً. وطالما أن السلطة ترفض تقديم أي تنازل سياسي نحو التحول الديمقراطي، فإنها تبقي على هؤلاء الرموز "كرهائن" لأي مرحلة قادمة. إنهم يخشون أن يتحول مشيمع فور خروجه إلى جرعة سياسية تستنهض الشارع الذي أُنهك بالقمع والملاحقات.
لذا، فإن استمرار سجن مشيمع هو استمرار لسياسة "الهروب إلى الأمام" ورفض فتح أي نافذة للحوار الوطني.
المقامرة بالاستقرار الدولي
تراهن السلطة على صمت الحلفاء الغربيين (واشنطن ولندن) مقابل صفقات الأسلحة والمصالح الجيوسياسية. وهي تعتقد أن ""الضجيج" الحقوقي حول مشيمع سينتهي مع الوقت. لكنها مقامرة خطيرة، فالتاريخ يثبت أن الرموز الذين يموتون في سجونهم يتحولون إلى أيقونات خالدة تشعل الثورات من جديد. السلطة في البحرين، بإصرارها على احتجاز مشيمع، إنما تبني "مظلومية تاريخية" ستظل تطاردها وتطارد شرعيتها لسنوات طويلة.
في المحصلة، يبدو أن السلطة هي السجينة الحقيقية؛ فهي حبيسة خوفها من رجل متقدم في السن مريض. إن عجزها عن استيعاب معارض في نهاية السبعينيات من عمره يعكس هشاشة البنية السياسية التي تستند فقط إلى القوة الأمنية. حسن مشيمع، وهو في زنزانته، يمارس أقوى أنواع المعارضة: "معارضة الوجود والصمود". أما السلطة، فبامتناعها عن الإفراج عنه، تؤكد للعالم أنها تفتقر إلى الشرعية، وتفضل أن تسجل في تاريخها أنها السلطة التي خافت من شيخ طاعن في السن بدنه مثقل بالأمراض الخطيرة.
- 2026-01-07زيادة علاوة الغلاء: قراءة نقدية في كفاية الدعم وحدود الحماية الاجتماعية
- 2026-01-05أدوات العزل السياسي في البحرين: منظومة الإقصاء لا تبدأ في 2018
- 2026-01-03حقوق الإنسان في البحرين: تعثّر مستمرّ
- 2026-01-02المرشد يفند رواية "الفتح" ويعيد صياغة سردية الشرعية
- 2026-01-01ماذا تعرف عن شركة أحمد الخزاعي في أمريكا؟