أدوات العزل السياسي في البحرين: منظومة الإقصاء لا تبدأ في 2018

2026-01-05 - 10:35 ص

مرآة البحرين : تتجاوز قوانين العزل السياسي عام 2018، فالسلطة منذ أن قرّرت حلّ المجلس الوطني في العام 1975، وجّهت بتلك الخطوة رسالة سياسية صادمة، كانت بمثابة بطاقة حمراء لإقصاء الشعب عن اللعبة!

وما بين هذين العامين (أي 1975 إلى 2018) أكثر من أربعة عقود، ونصف قرن حتى اليوم (أي منذ منتصف سبعينيات القرن المنصرم وإلى 2025)، فعّلت خلالها السلطة أدوات العزل السياسي على نحوٍّ شامل، وتبنّت استراتيجية قائمة على تهميش الإرادة الشعبية وصوت المواطنين.

في العام 1992، قرّرت السلطة أن تذهب إلى أدوات العزل السياسي بوجهٍ عاري، عندما شكّلت مجلس الشورى المُعيّن كبديل عن المجلس الوطني المنحلّ، دون أن تستجيب لأصوات المنادين بالعودة إلى الديمقراطية، فرفضت العريضتين النخبوية والشعبية، وفجّرت "قانون أمن الدولة" في وجه الشارع.

بعد تراجع القمع الأمني وغروب حقبة التسعينيات الدموية، جاء ما سُمّي بمشروع الإصلاحات في 2002 ليثبت هذا المنحى، فالملك الذي وقّع هازلاً على بنود السيد عبد الله الغريفي في النعيم، عاد إلى قصره ليُهندس مع مستشاريه أسوار العزل السياسي الجديدة.

وبدءً من التراجع عمّا جاء في ميثاق العمل الوطني الذي حظي بموافقة الشعب، أخذت الأسوار تتكشف واحداً بعد آخر، وكأنّ حبر التوقيع الساخر في مجلس النعيم كان من أجل شيءٍ آخر: مجلس الشورى باقٍ على دوره التشريعي، والمنظومة الانتخابية مصمّمة بإحكام في خدمة مصالح السلطة!

ومع بدء الانتخابات النيابية والبلدية الأولى، بَدَت أسوار العزل السياسي شاهقة ولا يمكن القفز من فوقها: دوائر انتخابية مقسّمة بشكلٍ طائفي (17 ألف صوت انتخابي يمثلهم 6 نواب سنة، و16 ألف صوت انتخابي يمثلهم نائب شيعي واحد)، أضف إلى ذلك مراكز اقتراع عامة لتوجيه أصوات المجنسين والعسكريين، ثم لائحة داخلية مقيّدة تحرم أعضاء المجلس صلاحيات استجواب الوزراء والرقابة على الحكومة إلا بشروط تعجيزية!

السلطة ضربت طوقاً على المعارضين، كلّما تجاوزوا واحداً وقعوا في فخاخ الأخرى. يشبه الأمر "دوامة التضييق" التي تبدأ واسعة ثم تنكمش وتضيق بشكل تنازلي حتى تحاصرك في قطر الدائرة.

لم تكتفِ السلطة بالدوائر الانتخابية ومراكز الاقتراع العامة ولائحة المجلس الداخلية، وقد احتفظت لمجلس الشورى المُعيّن بدوره التشريعي بلا تمويهات سياسية تحفظ للعملية الديمقراطية كرامتها، بل زادت على ذلك وجعلت قرار المجلس النيابي المنتخب مرهوناً بيده، فالأخير لا يمتلك صلاحية تمرير القوانين بشكل نهائي من دون موافقة مجلس الشورى، الأمر الذي يجعل الحصن السياسي الأخير حديدياً ولا يمكن تجاوزه.

في 2018، جاء الأمر في سياق الحملة الأمنية على المعارضة، لكنه امتداد لأربعة عقود. لم يكن الأمر جديداً. كان مشروعاً يشمل إزاحة جميع المعارضين. قبلها بسنتين تم إسقاط جنسية آية الله الشيخ عيسى قاسم، وحلّ جمعيات الوفاق ووعد والتوعية والرسالة.
كان الأمر مثل حماقة، فتقنين العزل السياسي أنهى ما تبقى من أقنعة التفاخر الكاذب بالعملية الديكورية الديمقراطية، وبدت البروباغندا الرسمية عارية من الصحة ومكشوفة.

بسرعة خاطفة، عدّلت السلطة "قوانين العزل السياسي": في "قانون مباشرة الحقوق السياسية" أضيفت مواد صارمة في مادته الثالثة: لا حق في الترشح لأعضاء الجمعيات السياسية المنحلّة بحكم نهائي، أو لمن ترك العمل النيابي للإضرار بسير الحياة الدستورية. في "قانون الجمعيات والأندية" أضيف شرطٌ في العضو المؤسس أو الراغب في الانضمام إليها: أن يكون متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية.

هذه العوازل الجديدة، اختزلت عقوداً طويلة من الصراع البيني بين السلطة والشعب، وهي لا تحرم الناشطين هذه المرّة من حقوقهم السياسية فحسب، وإنما حتى من حقّهم في الترشح للجمعيات الأهلية والخيرية والرياضية، وكأنّ الأمر مثل شطبة كاملة لأي وجود يمثّله هؤلاء.

بحسب مصادر المعارضة، هذه القوانين تعزل أكثر من 80 ألف مواطن بحريني عن المجتمع المدني، وتجسّد عمق الأزمة وانعدام الثقة والشرخ السياسي الكبير، وفي الوقت ذاته، هناك من يتساءل: من يعزل من؟